إننا نواجه اليوم نفس الموقف الذي كان يواجهه المسلمون الأوائل في صدر الإسلام . كان المسلمون حفنة قليلة ، وكانوا يواجهون أكبر إمبراطوريتين في ذلك التاريخ: الإمبراطورية الرومانية عن شمال ، والإمبراطورية الفارسية عن يمين . وكانت موارد الإمبراطوريتين من الرجال والعتاد والأموال والفنون الحربية والخبرة العسكرية والسياسية أضعاف ما يقدر عليه المسلمون .
ومع ذلك فقد وقعت المعجزة .
وكانت أعجب معجزة في التاريخ . فقد تغلبت هذه الحفنة القليلة من المسلمين على إمبراطوريتي كسرى وقيصر ، وقضت عليهما تمامًا في أقل من نصف قرن ، وورثت ملكهما ، وبسطت يدها على عالم يمتد من المحيط إلى المحيط !
فكيف حدث ذلك ؟
لن تستطيع كل التفسيرات المادية والاقتصادية للتاريخ أن تفسر كيف حدث ذلك . ولكن شيئًا واحدًا يمكن أن يفسره .. الإيمان .
الإيمان الذي كان يدفع الرجل من أولئك أن يقول: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقتل هذا الرجل أو يقتلني ؟ ثم يندفع إلى القتال كأنه مقبل على عرس . أو يقول:"هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ؟"الشهادة أو النصر ؟ ثم يلقي بنفسه في المعركة ليلقى إحدى الحسنيين
تلك هي السبيل . ولا سبيل غيرها لكل دعوة على الأرض .
وإن قومًا ليقولون وهم مخلصون ، أو يقولون وهم متخاذلون: السلاح ! أين السلاح ؟
نعم نحتاج إلى سلاح . ولكن يجب ألا يفوتنا أن حاجتنا الأولى ليست إلى السلاح ، وأن السلاح وحده لا يغني . لقد كان الطليان في الحرب السابقة يملكون أسرع الأسلحة وأفتكها ، ومع ذلك لم ينتصروا أبدًا ولم يصمدوا في معركة . كانوا يتسابقون إلى الفرار ، ويمنحون أسلحتهم لمن يمنحهم نعمة الوقوع في الأسر !
لم يكن ينقصهم السلاح وإنما كان ينقصهم الإيمان ، والروح المعنوية .
ولنذكر أيضًا أن بضعة من الفدائيين في القنال لم يكن يزيد عددهم على مائة ، ولم يكن ينزل في أي ليلة منهم أكثر من خمسة أو ستة ، قد أزعجوا الإمبراطورية العجوز ، فلجأت إلى الرحيل .
لم يكونوا يملكون أسلحة فتاكة . لا مدافع ثقيلة ولا طيارات ولا دبابات . بل مسدسات وبنادق ومدافع سريعة الطلقات . ولكنهم كانوا يملكون ما هو أفتك من السلاح . كانوا يملكون الإيمان . كانوا يعيشون بروح تلك الحفنة القليلة من المسلمين الأوائل . يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون . ولذلك أزعجوا الإمبراطورية العجوز .
وما يقول أحد إن الطريق أمامنا مفروش بالزهور .
كلا . إن أمامنا العرق والدماء والدموع . ولا بد لكل دعوة من تضحية . ولا بد للنصر من تضحيات . وإن الهدف الذي ننصبه أمامنا: هدف العزة والكرامة والعدالة الاجتماعية ، لجدير بأن تبذل في سبيله التضحيات .
وهي على أي حال لن تزيد على التضحيات التي نبذلها ، والتي يطلب منا أن نبذلها في الهوان والفقر والتعاسة والتشريد .
كم بذلت شعوب هذه المنطقة في الحرب السابقة ؟ كم ألفًا قتلوا تحت سيارات المجرمين من جنود الحلفاء ؟ كم عرضًا انتهك ؟ كم من المؤن والأقوات سلب بلا مقابل ؟ .. ثم ؟ ثم طلع علينا تشرشل يقول: حميناكم فادفعوا ثمن الحماية .
وبالأمس كان الغرب يريد أن تدخل هذه الشعوب في حلف للدفاع المشترك . يريد أن يجند منها نصف مليون لتجرب فيه الأسلحة الفتاكة قبل أن تصل إلى"الرجل الأبيض"من الأمريكان والإنجليز . ويسلبوا أقواتها ويعتدوا على أعرضها . ثم ؟ ثم يركلوها بأقدامهم في نهاية المعركة سواء كسبوا أو كانوا من الخاسرين .
فإذا لم يكن من الموت بد ، فلماذا يموت الناس في سبيل الذل والهوان ؟
نصف مليون يموت في سبيل"الحلفاء"…
حين يموت نصف مليون في سبيل الإسلام ، فلن يبقى طاغية واحد في الأرض المقدسة ، ولن يبقى استعمار صليبى على وجه الأرض .
تلك هي السبيل …
وإن قومًا لينزعجون على الإسلام من انتشار الشيوعية .. فما الذي يزعجهم ؟
إن الوضع لن يتغير بالنسبة إلى الإسلام . فالعالم الذي تكتسحه الشيوعية اليوم هو العالم الصليبي ، الذي كان دائمًا يناصب الإسلام العداء .
روسيا ذاتها التي بدأت فيها الشيوعية هي التي كانت من قبل تؤلب الطوائف على الدولة المسلمة لتوقع فيها الفتن والاضطرابات ، فما الذي تغير ؟ وأوربا هي مهد الصليبية الأولى وما تزال . فما الذي تغير ؟
كلا ! لم يتغير شيء .
وإن موقفنا اليوم لهو ذاته موقف المسلمين الأوائل من الإمبراطوريتين الكبيرتين عن شمال وعن يمين .
أما الحكام الطغاة في داخل العالم الإسلامي فمآلهم إلى الزوال …
من كان يصدق أن فاروق الطاغية سيخلع عن العرش ؟
وما حدث مرة يمكن أن يحدث مرة ومرة ..
وهذا الوعي الإسلامي الذي يطلب العدالة الاجتماعية عن طريق الإسلام ، ولا يطلبها عن طريق التبعية والذوبان في الكتلة الشرقية أو الغربية ليس عبثًا .