الحمد لله
غيرة المرأة من ضرائرها أمرٌ جُبلت عليه ، وهو غير مكتسب ، ولذا فإنها لا تؤاخذ عليه إلا أن تتعدى ، وتقع بسبب الغيرة فيما حرم الله عليها من ظلم أختها ، فتقع في غيبة أو نميمة أو تؤدي بها غيرتها إلى طلب طلاق ضرتها أو الكيد لها وما شابه ذلك .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
وأصل الغيرة غير مكتسب للنساء ، لكن إذا أفرطت في ذلك بقدر زائد عليه تلام ، وضابط ذلك ما ورد في الحديث عن جابر بن عتيك الأنصاري رفعه: ( إِنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ ) حسنه الشيخ الألباني في"الإرواء" (7/80) - ، فالغيرة منهما - أي: من الزوج والزوجة - إن كانت لما في الطباع البشرية التي لم يسلم منها أحد من النساء ، فتعذر فيها ، ما لم تتجاوز إلى ما يحرم عليها من قول أو فعل ، وعلى هذا يحمل ما جاء من السلف الصالح عن النساء في ذلك ."فتح الباري" ( 9 / 326 ) .
وقال ابن مفلح رحمه الله:
قال الطبري وغيره من العلماء: الغيرة مسامح للنساء فيها لا عقوبة عليهن فيها لما جُبِلن عليه من ذلك ."الآداب الشرعية" ( 1 / 248 ) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله شرحًا لحديث كسر عائشة لإناء إحدى ضرائرها:
وقالوا: أي جميع من شرحوا الحديث: فِيهِ إِشَارَة إِلَى عَدَم مُؤَاخَذَة الْغَيْرَاء بِمَا يَصْدُر مِنْهَا ، لأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَة يَكُون عَقْلهَا مَحْجُوبًا بِشِدَّةِ الْغَضَب الَّذِي أَثَارَتْهُ الْغَيْرَة . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ لا بَأْس بِهِ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا: ( أَنَّ الْغَيْرَاء لا تُبْصِر أَسْفَل الْوَادِي مِنْ أَعْلاهُ ) ."فتح الباري" ( 9 / 325 ) .
وما وقع من فضليات النساء من الغيرة إنما هو مما لم يسلم منه أحد ، وهنَّ غير مؤاخذات عليه لأنه ليس في فعلهن تعدٍّ على شرع الله تعالى .
وما حصل من غيرة"سارة"من هاجر هو من هذا الباب ، فطلب الزوجة من زوجها أن لا ترى ضرتها أو أن لا تجاورها أمرٌ غير مستنكر ، مع أن الذي ذكره أهل العلم أن إبراهيم عليه السلام هو الذي خرج بهاجر وابنه لا أن سارة زوجه طلبت منه ذلك .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
ويقال: إن سارة اشتدت بها الغيرة فخرج إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة لذلك ."فتح الباري" ( 6 / 401 ) .
ويدل عليه قول هاجر:"يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: أالله الذي أمرك بهذا ؟ قال: نعم ، قالت: إذن لا يضيعنا"- رواه البخاري ( 3184 ) - .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان: خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة فيها ماء ... رواه البخاري ( 3185 ) .
قال الحافظ:
قوله - أي: ابن عباس -:"لما كان بين إبراهيم وبين أهله"يعني: سارة"ما كان"يعني: من غيرة سارة لما ولدت هاجر إسماعيل ."فتح الباري" ( 6 / 407 ) .
والله أعلم .
الإسلام سؤال وجواب
سؤال:لما كان الحكمة من اللباس ستر العورة لحفظ النفس من الإغراء فلماذا إذن عورة الرجل من السرة إلى الركبة ولا تشمل الصدر الذي هو أكثر مناطق جسم الرجل جذبا للجنس الآخر ؟ أجابني بعض المشايخ الكرام أن ذلك لأن المرأة تتأثر باللمس والرجل بالرؤية ، فإذن لماذا منع الرسولُ صلى الله عليه وسلم عائشة من الجلوس عندما زاره ابن أم مكتوم - الضرير - ولمَ نزلت الآية الكريمة التي تقول - بالمعنى -"يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المسلمين أن يغضضن من أبصارهن"؟.
الجواب:
الحمد لله
أولًا:
في السؤال خطأ في الحديث والآية ولا بد من التنبيه عليهما قبل الإجابة:
أما الحديث: فليس فيه ذِكر عائشة - رضي الله عنها - ، ثم هو غير صحيح .
عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة قالت: فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه - وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه ، فقلت يا رسول الله: أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما ؟ ألستما تبصرانه ؟ . رواه الترمذي ( 2778 ) وأبو داود ( 4112 ) .
والحديث: فيه نبهان مولى أم سلمة وهو مجهول ، وقد ضعفه الشيخ الألباني في"إرواء الغليل" ( 1806 ) .
وأما الآية المذكورة في السؤال فهي من مجموع آيتين: