وفي موضع آخر يقول الحافظ الذهبي مبينًا أن من العلم الذي يحرم نشره القصص الباطلة والروايات المنكرة، فيقول -رحمه الله-:"والعلم الذي يحرم تعلمه ونشره علم الأوائل وإلهيات الفلاسفة) ( [4] ) . وبعض رياضتهم، بل أكثر وعلم السحر والسيمياء ( [5] ) ، والكمياء والشعبذة والحيل ونشر الأحاديث الموضوعة وكثير من القصص الباطلة أو المنكرة، وسيرة أبطال المختلفة وأمثال ذلك ورسائل إخوان الصفا ( [6] ) . وشعر يعرض فيه إلى الجناب النبوي، فالعلوم الباطلة كثيرة جدًا، فلنحذر ومن ابتلي بالنظر فيها للفرجة والمعرفة من الأذكياء، فليقلل من ذلك وليطالعه وحده ويستغفر الله تعالى وليلتجئ إلى التوحيد والدعاء بالعافية في الدين" ( [7] ) .
-وما أجمل ما قال شهاب بن خراش -رحمه الله-:"أدركت من أدركت صدره هذه الأمة، وهم يقولون: اذكروا في المجلس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تأتلف عليه القلوب ولا تذكروا الذي شجر بينهم فتحرشوا عليهم الناس" ( [8] ) .
وبعد هذا كله أعجب كل العجب من جرأة من لا علم عنده ويتكلم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُطلق العنان لقلمه، ويهرف بما لا ويتكلم في مجال لا يُحْسِنه وما أجدر أن يقال لهذا وأمثاله:
-"ليس بعُشَّك فادرُج إلى خُشَكَ" ( [9] ) .
-"ودَعْ عَنْكَ الكتابة لست منها".
-"ولو سَوِّدت وَجْهَك بِالمِدادِ".
ورحمه الله على من قال:
إني امرؤ ليس في ديني لغامزه لين ولست على الإسلام طعانًا
فلا أسبُّ أبا بكر ولا عمرًا ولن أسبَّ معاذ الله عثمانا
ولا ابن عم رسول الله أشتمه حتى أُلبَّس تحت الترب أكفانًا
ولا الزبير حواري الرسول ولا اهدى لطلحة شتمًا عزَّ أوهانًا ( [10] )
-لقد كان السلف رضوان الله عليهم يطردون من مجالسهم من يسبُّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يقع فيهم؛ ففي ترجمة سلام بن سليم الحنفي وكنيته أبو الأحوص، قال العجلي:"كان ثقة صاحب سنة واتباع، وكان إذا ملئت داره من أصحاب الحديث قال لابنه أحوض:"يا بني قم فمن رأيته يشتم أحدًا من الصحابة فأخرجه ما يجئ بكم إلينا) ( [11] ) .
بل لقد أفتى الإمام مالك -رحمه الله- بالهجرة من البلد التي يسب فيها السلف رضي الله عنهم ( [12] ) .
قلت: سبحان الله! فكيف لو رأى مالك -رحمه الله- ما يقع من بعض الناس من سب فاطر السموات والأرض وسب دينه، وقد هاجر الخرقي -رحمه الله- صاحب المختصر الذي شرحه ابن قدام- هاجر من بلده بغداد التي كان يسكنها لما سمع فيها من يسب الصحابة رضي الله عنهم ( [13] ) .
لقد كان العلماء يحذرون ممن يسب الصحابة ولو كان هذا الساب ممن أوتي قسطًا من العلم، فكانوا يحذرون الناس منه، ومن الأخذ عنه، فقد رَوي الإمام مسلم في مقدمة صحيحه بسنده عن عبد الله ابن المبارك أنه صعد على المنبر، وقال:"دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف ( [14] ) ."
وما أحسن ما قال الإمام أبو زرعة -رحمه الله-:"إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلم أنه زنديق" ( [15] ) .
( [1] ) رواه مسلم في مقدمة صحيحة رقم (32) .
( [2] ) السير (10/94،93) .
( [3] ) المصدر السابق.
( [4] ) كعلم الكلام والذي حذر منه السلف.
( [5] ) لعله ضرب من ضروب السحر وحيلة الباطلة.
( [6] ) وهي مجموعة رسائل مأخوذة من ملل ونحل شتى تشتمل على مخالفات كثيرة.
( [7] ) سيرة أعلام النبلاء (10/604) .
( [8] ) أورد في السير (8/285) .
( [9] ) مثل يضرب لمن دخل في شيء لا يحسنه أو أفتى بضلال وجهل!.
( [10] ) من شعر عبد الله بن المبارك -رحمه الله- أورده في السير (8/413-414) .
( [11] ) السير (8/282) .
( [12] ) ذكر ذلك الحافظ في الفتح في كتاب الفتن.
( [13] ) والخرفي هو عمر بن الحسين -رحمه الله- وقد أورد عن ذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (6/288) .
( [14] ) رواه مسلم في مقدمة صحيحه رقم (32) .
( [15] ) رواه الخطيب البغدادي بسنده في الكفاية، ص (49) .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد التحية
[منشأ الخلاف بين السنة والشيعة]
إن المشكلة بين الشيعة والسنة قامت على أساس واحد وهو وصية الرسول (ص) لسيدنا علي (رض) في غدير خم.
والحديث صحيح لكن الخلاف يكمن في فهم الحديث وتفسيره، والذي بسببه حصل الشقاق الكبير بين السنة والشيعة فلنناقش هذا الخلاف برويه
[التسليم الفرضي بصحة دعوى الشيعة]
الأول: سأتفق مع كل ما جاء به الشيعة من تفسير وزيادات جاءت في نقلهم لهذا الحديث، ولم توجد في كتب الحديث السنية.
الثاني: نستنتج مما جاء في كتب الشيعة أن كل الصحابة (رض) قد نقضوا بيعة سيدنا علي (رض) بعد وفاة الرسول (ص) عدا البعض القليل جدًا وهم مذكورون في كتب الشيعة.
3.لنسلم جدلا بصحة كل ما جاء بكتب الشيعة، ومن خلال هذا التسليم نستنتج:
(أ) . أن الصحابة (رض) قد خالفوا وصية الرسول (ص) وبذلك خالفوا أمر الله سبحانه وتعالى.