فهرس الكتاب

الصفحة 1995 من 4557

{ وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام. وما كانوا أولياءه. إن أولياؤه إلا المتقون، ولكن أكثرهم لا يعلمون } ..

إنه لا يمنع العذاب عنهم ما يدعونه من أنهم ورثة إبراهيم وسدنة بيت الله الحرام.. فهذه ليست سوى دعوى لا أساس لها من الواقع. إنهم ليسوا أولياء هذا البيت ولا أصحابه. إنهم أعداء هذا البيت وغاصبوه! إن بيت الله الحرام ليس تركة يرثها الخلف عن السلف. إنه بيت الله يرثه أولياء الله المتقون لله.

.ومثله دعواهم أنهم ورثة إبراهيم - عليه السلام - فوراثة إبراهيم ليست وراثة دم ونسب؛ إنما هي وراثة دين وعقيدة. والمتقون هم ورثة إبراهيم وبيت الله الذي بناه لله؛ فإذا هم يصدون عنه أولياءه الحقيقيين المؤمنين بدين إبراهيم!

إنهم ليسوا أولياء لهذا البيت وإن كانوا يصلون عنده صلاتهم. فما هذه بصلاة! إنما كانت صفيرًا بالأفواه وتصفيفًا بالأيدي، وهرجًا ومرجًا لا وقار فيه، ولا استشعار لحرمة البيت، ولا خشوع لهيبة الله.

عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويصفقون ويصفرون.

وإن هذا ليخطر بالبال صور العازفين المصفقين الصاخبين الممرغين خدودهم على الأعتاب والمقامات اليوم في كثير من البلاد التي يسمونها"بلاد المسلمين"! إنها الجاهلية تبرز في صورة من صورها الكثيرة. بعدما برزت في صورتها الواضحة الكبيرة: صورة ألوهية العبيد في الأرض، وحاكميتهم في حياة الناس.. وإذا وقعت هذه فكل صور الجاهلية الأخرى إنما هي تبع لها، وفرع منها!

{ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ..

وهو ذلك العذاب الذي نزل بهم في بدر بأيدي العصبة المسلمة. فأما العذاب الذي طلبوه - عذاب الاستئصال المعروف - فهو مؤجل عنهم، رحمة من الله بهم، وإكرامًا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ومقامه فيهم، عسى أن ينتهي بهم الأمر إلى التوبة والاستغفار مما هم فيه.

والكفار ينفقون أموالهم ليتعاونوا على الصد عن سبيل الله.. هكذا فعلوا يوم بدر، على نحو ما ذكرنا في سياق الحديث عن الموقعة من كتب السيرة.. وهكذا ظلوا بعد بدر يستعدون للوقعة التالية. والله ينذرهم بالخيبة فيما يبغون وبالحسرة على ما ينفقون، ويعدهم الهزيمة في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة:

{ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله. فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة؛ ثم يغلبون؛ والذين كفروا إلى جهنم يحشرون. ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض، فيركمه جميعًا، فيجعله في جهنم، أولئك هم الخاسرون } ..

ويذكر مُدعي الشبهة بالشبهة السابقة قول: علّمنا الله أن النفس التي تخطئ هي تموت، لأنه لا يوجد إنسان كامل حتى يزِر وازرة إنسانٍ آخر، ولكن الله بمحبته أرسل لنا المسيح الذي حمل كل أوزارنا وصالحنا مع الله إلى الأبد.

والآن يقول: تعلمنا التوراة أن الخطية فعل شنيع، فالله قد عاقب اليهود لأن واحدًا منهم أخطأ وخالف أمر الله (أنظر قصة عخان بن كرمى في يشوع 7) . ولم يحاول أيُّ نبيٍّ أن يجد أعذارًا للكفَّار من قومه، خاصةً وأنهم طلبوا العذاب بأنفسهم.

تناقض عجيب هذا يكشف لنا أن الأمر ليس أكشاف شبهات بل محولات فاشلة للكيد من القرآن الكريم

تبدأ سورة التوبة دون بسملة، وقد أفرد علماء الإسلام لهذه القضية صفحات عدة، وفي النهاية لم يتفقوا على رأي. فقد قيل إن سورتي التوبة والأنفال سورة واحدة ولذا لم تُكتب بينهما بسملة. وعن مالك إنها كانت تعادل البقرة في الطول، وإن أولها لما سقط سقطت معه البسملة (الإتقان باب جمع القرآن وترتيبه، وباب عددسوره وآياته وكلماته وحروفه) .

وقد كان محمد في مبدأ الأمر يأتي بكل ما يُشعِر باللطف لا العنف، والإحسان لا العدوان، ولكن لما قوي أمره وتمكّن من غايته ألغى ذلك بآية السيف (التوبة 5) . قال ابن حزم: من الآيات المنسوخة قوله في البقرة 2: 192 فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم . وهذا من الأخبار التي معناها الأمر، تأويله: فاغفروا لهم واعفوا عنهم. ثم أخبار العفو منسوخة بآية السيف وهي: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم (التوبة 9: 5) فلو كان المقصود إظهار الصرامة الكبرى لمن قاوم محمدًا لقال ذلك في مبدأ الأمر، ولكنه لم يفعل ذلك.

وقد وردت آيات كثيرة يُؤخذ منها الرفق واللين واللطف، ولكنه نسخها، فصار القرآن كله قسوة شديدة. فمن ذلك ما ورد في النساء 4: 63 فأَعرِضْ عنهم وعِظْهُم . نُسخت بآية السيف المتقدمة، وورد فيها: ستجدون آخَرين يريدون أن يأمَنوكم ويأمَنوا قومهم (النساء 4: 91) نُسخت بآية السيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت