كان لعمر بن الخطاب أرض بأعلى المدينة، وكان ممرّه إليها على مِدْراس اليهود، فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم. فقالوا يومًا: ما في أصحاب محمد أحبُّ إلينا منك، وإنّا لنطمع فيك. فقال عمر: والله ما آتيكم لحبِّكم، ولا أسألكم لأني شاكّ في ديني. وإنما أدخل إليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد. فقالوا: من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة؟ قال: جبريل. قالوا: ذلك عدوّنا. فقال عمر: من كان عدوًّا لله وملائكته ورسُله وجبريل وميكال فإن الله عدوّه . فلما سمع محمد بذلك قال: هكذا نزلت، وقال له: لقد وافقك ربك يا عمر (الطبري في تفسير البقرة 2: 97) .
(1) كان من الأفضل أن يقول محمد إن عمر وافق ربّه، لا العكس.
(2) من هذه الحادثة نرى أن محمدًا وأصحابه كانوا يلتقطون قصص الأنبياء وغيرها من أهل الكتاب، فقد كان عمر يقف عند حلقات اليهود يلتقط المعارف الدينية منهم.
(3) قال ابن عباس: أقبل اليهود على محمد، فقالوا: ياأبا القاسم، إنّا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنّ عرفنا أنك نبي.
فسألوه عما حرَّم إسرائيل على نفسه، وعن علامة النبي، وعن الرعد وصوته، وكيف تُذكّر المرأة وتُؤنَّث، وعمَّن يأتيه بخبر السماء، إلى أن قالوا: فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل. قالوا: ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدوّنا. لو قلت ميكال الذي ينزل بالرحمة والنبات والقَطر لكان خيرًا. فقال: من كان عدوًّا، إلى آخره (سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن باب سورة الرعد آية 13) .
وقد كان غرض اليهود من ذلك إرباكه والتهكم عليه، بأن يقول مرة إن الذي يأتيه بالوحي جبريل، ثم يغيّر قوله بأن يقول ميكائيل، وهكذا يدور بين نقضٍ وإثبات كما فعل في القِبلة.
الرد
هل هذه الشبهة ضد الإسلام أم لصالح الإسلام ؟!!!!!
فهذا النوع أيضًا من أنواع قبائح اليهود ومنكرات أقوالهم وأفعالهم وفيه مسائل:
المسألة الأولى: أن قوله تعالى: { قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } لا بد له من سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم بذلك لأنه يجري مجرى المحاجة، فإذا لم يثبت منهم في ذلك أمر لا يجوز أن يأمره الله تعالى بذلك والمفسرون ذكروا أمورًا
أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال: يا محمد كيف نومك، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان؟ فقال عليه السلام:"تنام عيناي ولا ينام قلبي"قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة؟ فقال: أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر، فمن المرأة فقال صدقت. فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه؟ فقال: أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له، قال: صدقت فقال: أخبرني أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه؟ فقال عليه السلام:"أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا فطال سقمه فنذر لله نذرًا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب، وهو لحمان الإبل وألبانها؟ فقالوا: نعم. فقال له:بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك، أي ملك يأتيك بما تقول عن الله؟ قال جبريل: قال إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك"
فقال عمر: وما مبدأ هذه العداوة؟ فقال ابن صوريا مبدأ هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في زمان رجل يقال له: بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالًا فدفع عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب بيت المقدس، فلا فائدة في قتله، ثم إنه كبر وقوى وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا، فلذلك نتخذه عدوًا، وأما ميكائيل فإنه عدو جبريل
فقال عمر؛ فإني أشهد أن من كان عدوًا لجبريل فهو عدو لميكائيل وهما عدوان لمن عداهما فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين.
وثانيها: روي أنه كان لعمر أرض بأعلى المدينة وكان ممره على مدراس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال: والله ما أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدونا يطلع محمدًا على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلم
فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟ قالوا: أقرب منزلة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وميكائيل عدوًا لجبريل