وقوله تعالى: { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ } معناه: وما كفر سليمان ولكن الشياطين هم الذين كفروا إذ تعلموا السحر وعلموه لغيرهم بقصد إضلالهم ، وصرفهم عن عبادة - الله - تعالى - إلى عبادة غيره من المخلوقات .
ففي الجملة الكريمة تنزيه لسليمان - عليه السلام - عن الردة والشرك وتبرئه له من عمل السحر الذي كان يتعاطاه أولئك الشياطين وينسبونه إليه زورًا وبهتانًا ، ودلالة على أن ذلك السحر الذي نسبوه إليه وباشرته الشياطين نوع من الكفر .
وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان ، وأنه ارتد في آخر عمره ، وعبد الأصنام وبني لها المعابد ، وكانوا عندما يذكر النبي صلى الله عليه وسلم سليمان بين الأنبياء يقولون: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل ، يذكر سليمان مع الأنبياء ، وإنما كان ساحرًا يركب الريح .
فإن قال قائل: ما الحكمة في نفي الكفر عن سليمان مع أن صدر الآية لا يفيد أن أحدًا نسب إليه ذلك .
فالجواب: أن اليهود الذين نبذوا كتاب الله ، واتبعوا ما تلته الشياطين من السحر أضافوا هذا السحر إلى سليمان ، وقالوا إنه كان يسخر به الجن والإِنس والريح ، فأكذبهم الله - تعالى - بقوله: { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ } كما بينا .
والضمير في قوله تعالى: { يُعَلِّمُونَ الناس السحر } : وجهان:
أحدهما: أنه متصل بقوله تعالى: { ولكن الشياطين كَفَرُواْ } أي: أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر .
والثاني: وهو الأظهر أنه متصل بالكلام عن اليهود وأن الكلام في الشياطين قد انتهى عند قوله تعالى { كَفَرُواْ } وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهورًا في زمن التنزيل ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم ، أي أن فريقًا من اليهود نبذوا كتاب الله اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان في رميه بالكر وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التي كانت تحت كرسيه؟ فأجاب على طريق الاستئناف البياني { يُعَلِّمُونَ الناس السحر } .
ونفي الكفر عن سليمان والصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض ، فعلم أيضًا - أنهم اتبعوا الشياطين بهذه القرية ، وإنما كان القصد إلى صوف اليهود بتعلم السحر ، لأنه من السيئات التي كانوا متلبسين بها ، ويضرون بها الناس خداعًا وتمويها وتلبسًا .
وإنما أضاف الله - تعالى - إلى اليهود أنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان خاصة مع أنه كان معروفًا قبل سليمان - عليه السلام - كما أخبر به القرآن عن سحرة فرعون ، وإنما أضاف ذلك إليهم ، لأن هذا كان هو الواقع منهم ، ولأن سحر هؤلاء الشياطين الذين كانوا على عهد سليمان ، كان مدونًا في صحف اليهود من قديم ، وتوارثه خلفهم عن سلفهم إلى أن صول إلى من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم منهم ولأن سليمان - عليه السلام - أعطاه الله تعالى ملكًا واسعًا وسخر له الإِنس والجن والريح ، فعزت الشياطين ذلك كله إلى تعلمه السحر .
و { مَآ } في قوله تعالى: { وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } موصولة ، وهي معطوفة على السحر في قوله تعالى: { يُعَلِّمُونَ الناس السحر } أي يعلمون الناس السحر ، ويعلمونهم الذي أنزل على الملكين .
والذي أنزل عليهما هو وصف السحر وما هيته وكيفية الاحتيال به . ليعرفاه الناس فيجتنبوه على حد قول الشاعر:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ... ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه
فالشياطين عرفوه فعملوا به ، وعلموه للناس ليستعملوه في الشرر والمآثم بينما المؤمنون عرفوه واستفادوا من الاطلاع عليه فتجنبوه .
هذا ، واختصت بابل بالإِنزال ، لأنها كانت أكثر البلاد عملا بالسحر ، وكان سحرتها قد اتخذوا السحر وسيلة لتسخير العامة لهم في أبدانهم وعقولهم وأموالهم ، ثم جروهم إلى عبادة الأصنام والكواكب فحدث فساد عظيم ، وعمت الأباطيل فألهم الله - تعالى - هاروت وماروت أن يكشفا للناس حقيقة السحر ودقائقه ، حتى يعلموا أن السحرة الذين صرفوهم عن عبادة الله إلى عبادة الكواكب وغيرها قد خدعوهم وأضلوهم ، وبذلك يعودون إلى الصراط المستقيم .
واللام في { الملكين } مفتوحة في القراءات العشر المتواترة ، وقرئ شاذًا { الملكين } بكسر اللام .
قال بعض المفسرين: المراد بالملكين - بفتح اللام - رجلان صالحان اطلعا على أسرار السحر التي كانت تفعلها السحرة ، فعلماها للناس ليحذراهم من الانقياد لتلبيسات الشياطين ، وسميا ملكين مع أنهما من البشر لصلاحهما وتقواهما ، ويؤيد هذا الرأي قراءة الملكين - بكسر اللام - وإن كانت شاذة:
وقال جمهور المفسرين: إنما ملكان على الحقيقة أنزلهما الله - تعالى - ليعلما الناس السحر ابتلاء لهم ، ليفضحا مزاعم السحرة الذين كانوا يدعون النبوة كذبا ، ويسخرون العامة لهم ويخرجونهم إلى عبادة غير الله ، { هَارُوتَ وَمَارُوتَ } اسمان للملكين الذين أنزل عليهما السحر ، وهما بدل أو عطف بيان للملكين .
وقوله تعالى: { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } بيان لما كان ينصح به الملكان من يريد تعلم السحر منهما . والجملة حالية من هاروت وماروت .
والفتنة ، المراد هنا الابتلاء والاختبار ، تقول: فتنت الذهب في النار ، أي: اختبرته لتعرف جودته ورداءته .
والمعنى: أن الملكين لا يعلمان أحدًا من الناس السحر إلا وينصحانه بقولهما إن ما نعلمك إياه من فنون السحر الغرض منه الابتلاء والاختبار لتمييز المطيع من العاصي . فمن عمل به ضل وقوي ، ومن تركه فهو على هدى ونور من الله ، ولإِظهار الفرق بين المعجزة والسحر . فحذار أن تستعمل ما تعلمته فيما نهيت عنه فتكون من الكافرين: كما كفر السحرة بنسبتهم التأثيرات إلى الكواكب وغيرها من المخلوقات .
فالمقصود من تعليم الملكين للناس السحر ، فضح أمر السحرة الذين كثروا في تلك الأيام ، وادعو ما لم يأذن به الله ، وإظهار الفرق بين المعجزة والسحر حتى يعلم الناس أن هؤلاء السحرة الذين قد يزعمون بمرور الأيام أنهم أنبياء ليسوا كذلك ، وإنما هم أفاكون ، وأخبروا على أنفسهم بطريق القصر بأنهم فتنة للمبالغة في الإقرار بأنهما لا يملكان نفعًا ولا ضرًا لأحد ، وإنما هما فتنة محضة ، وابتلاء من الله لعباده لتمييز المطيع من العاصي .
ثم بين - سبحانه - لونًا من السحر البغيض الذي استعمله أولئك السحرة في الأذى فقال تعالى: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ } أي فيتعلم بعض الناس من الملكين ما يحصل به الفراق بين المرء وزوجه .
فالجملة الكريمة تفريع عما دل عليه قوله تعالى قبل ذلك: { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } لأنه يقتضي أن التعليم حاصل ، وأن بعض المتعلمين قد استعملوه في التفريق بين الزوجين .
وخصص سبحانه ها اللون من السحر بالنص عليه للتنبيه على شدة فساده . وعلى شناعة ذنب من يقوم به . لأنه تسبب عنه التفريق بين الزوجين اللذين جمعت بينهما أواصر المودة والرحمة .
والضمير في قوله تعالى: { فَيَتَعَلَّمُونَ } راجع لأحد ، وصح عود ضمير الجمع عليه مع أنه مفرد ، لوقوعه في سياق النفي ، والنكرة إذا وردت بعد نفي كانت في معنى أفراد كثيرة ، فصح أن يعود ضمير الجمع إليه كذلك .
ثم نفى - سبحانه - أن يكون السحر مؤثرًا بذاته فقال تعالى: { وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أي: أن أولئك السحرة لن يضروا أو ينفعوا أحدًا بسحرهم إلا بإذن الله وقدرته ، فالسحر سبب عادي لما ينشأ عنه من الأضرار ويجوز أن يتخلف عنه مسببه إذا أذن الله بذلك .
والجملة الكريمة معترضة لدفع توهم أن يكون السحر مضرًا بذاته ، بحيث لا يتخلف عنه الضرر متى تعاطاه الساحر .
والمراد { بِإِذْنِ الله } هنا . تخليته - سبحانه - بين السحور وضرر السحر ، أي: إن شاء حصل الضرر بسبب السحر ، وإن شاء منعه فلا يصيب المسحور منه شيء من الأذى .
وعبر - سبحانه - عن هذا المعنى بطريق القصر ، مبالغة في نفي أي تأثير للسحر بذاته ، وإغراء للناس بتكذيب ما يزعمه السحرة من أن لهم قوي غيبية سوى الأسباب التي ربط الله بها المسببات ، وإرشادًا لهم إلى حسن الاعتقاد ، وسلامة اليقين .
ثم بين - سبحانه - أن أولئك المتعليمن السحر للأذى وللتفرقة بين المتحابين يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ، فقال تعالى: { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } أي: أن أولئك الذين تعلموا السحر ليضروا به غيرهم ، ولم يتعلموه ليفرقوا به بين الحق والباطل ، أو ليدفعوا به الشر عن أنفسهم ، قد سلكوا بهذا التعليم الطريق الذي يضرهم ولا ينفعهم ، وأصبحوا بذلك عاصين لما نصحهم به الملكان عند تعليم السحر .
وفي هذه الجملة الكريمة زيادة تنبيه على تفاهة عقول المشتغلين بالسحر للأذى ومبالغة في تجهيل المصدقين لهم ، لأن الساحر - مهما بلغت براعته - فلن يستطيع أن يمنع شيئًا أراده الله ، ولا أن يأتي بشيء منعه الله ما دام الأمر كذلك فالمشتغل به ، والمصدق له كلاهما وقع في ضلال مبين .
وقد أفادت الجملة الكريمة يجمعهها بين إثبات الضر ونفي النفع مفاد الحصر فكأنه - سبحانه - يقول: ويتعلمون ما ليس إلا ضررًا بحتًا .
ثم بين - سبحانه - مآل أولئك اليهود التاركين للحق ، والمتبعين للباطل فقال تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ } أي: ولقد علم أولئك اليهود الذين بنذوا تعاليم كتابهم واتبعوا السحر ، أن من استبدل السحر بكتاب الله بكتاب الله ليس له من حظ في الجنة ، لأنه قد اختار الضلال وترك الهدى ، وعلمهم مرجعه إلى أن التوراة قد حرمت عليهم تعلم السحر أو تعليمه للأذى والضرر ، وشددت العقوبة على مرتكبه ، وعلى متبع الجن والشياطين والكهان .
فالضمير في { عَلِمُواْ } يعود إلى أولئك اليهود الذي تركوا كتاب الله واستبدلوا به السحر .
والاشتراء هو اكتساب شيء ببذل غيره ، والمراد أنهم اكتسبوا السحر الذي تتلوه الشياطين بعد أن بذلوا في سبيل ذلك إيمانهم ونصيبهم من الجنة ، وغدوا مفلسين من حظوظ الآخرة ، لإقبالهم على التمويه والكذب ، واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير .
وأكد - سبحانه - علمهم بضرر السحر بقوله { وَلَقَدْ عَلِمُواْ } للإِشارة إلى أن اختيارهم للسحر لم ينشأ عن جهلهم بضرره ، وإنما هم الذين اختاروه ومالوا إليه متعمدين وعالمين بعاقبته السيئة .
ثم قال تعالى: { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } .
شروا: بمعنى باعوا ، وبيع الأنفس هنا معناه بيع نصيبها من الجنة . ونعيمها .
والمعنى: ولبئس شيئا باع به أولئك السحرة حظوظ أنفسهم تعلم ما يضر من السحر والعمل به ، ولو كانوا ممن ينتفعون بعلمهم لما فعلوا ذلك .
وأثبت لهم العلم في قوله تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه } ثم نفاه عنه في قوله تعالى: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } جريًا على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة من أن العالم بالشيء إذا لم يعمل بموجب علمه نزل منزلة الجاهل ونفي عنه العلم كما ينفي عن الجاهلين .
وإلأى هذا المعنى الذي قررناه أشار صاحب الكشاف بقوله .
فإن قلت كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله: { وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه } على سبيل التوكيد القسمي ، ثم نفاه عنهم في قوله: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } .
قلت: معناه لو كانوا يعملون بعلمهم . جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسخلون عنه .
ثم بين - سبحانه - المنافع التي تعود عليهم لو اتبعوا الحق ، بعد أن بين الأضرار التي ترتبت على اتباعهم للباطل فقال تعالى: { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتقوا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أي: لو أن أولئك اليهود النابذين لكتاب الله المتبعين للأوهام والأباطيل ، آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بالتوارة إيمانًا حقًا ، واتقوا الله ، فاجتنبوا ما يؤثمهم ومنه السحر والتمويه ، لكانت لهم مثوبة من عند الله ، هي خير لهم من السحر وغيره ، ولو كانوا من أولى العلم النافع لفهموا ذلك ، واستبدلوا بالسحر الإيمان والتقوى ، ولكنهم قوم لا يعقلون .
فقوله تعالى: { لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ } جواب للو الشرطية ، وأصل التركيب ، لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرًا مما شروا به أنفسهم ، فحذف الفعل ، وغير السبك إلى ما عليه النظم الكريم ، للدلالة على ثبوت المثوبة لهم والجزم بخيريتها .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ( فإن قلت: كيف أو ثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب لو؟ قلت: لما في ذلك من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها ، كما عدل عن النصب إلى الرفع في سلام عليكم لذلك .
وقال الإِمام الآلوسي: ( المثوبة: اسم مصدر أثاب إذا أعطى الثواب ، والثواب الجزاء الذي يعطي للغير . ولم يقل - سبحانه - لمثوبة الله مع أنه أخصر ، ليشعر التنكير بالتقليل فيفيد أن شيئًا قليلًا من ثواب الله - تعالى - في الآخرة الدائمة ، خير من متاع كثير في الدنيا الفانية ، فكيف ثواب اله - تعالى - كثير دائم ، وفيه من الترغيب والترهيب المناسبين للمقام ما لا يخفى .
وقوله تعالى: { لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } شرط آخر محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه ، وحذف مفعول { يَعْلَمُونَ } لدلالة { لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ } عليه . أي: لو كانوا يعلمون مثوبة الله لما اشتروا السحر بالإِيمان .
وبذلك تكون الآيات الكريمة التي سقناها في هذا البحث قد دمغت بني إسرائيل بجحود الحق ، ونبذهم لتعاليم كتابهم وإيثارهم عليها الأكاذيب والأباطيل ، وسيرهم في طريق الشر عن تعمد وإصرار ، وعدم عملهم بما يعلمون لانحراف طباعهم ، وحماقة تفكيرهم وسوء تدبيرهم . واستحواذ الشيطان عليهم . . { فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِين } هذا ، ويحسن بنا قبل أن نختم هذا البحث ، أن نذكر كلمة موجزة عن السحر فنقول:
السحر: في أصل اللغة معناه: الصرف ، ومنه قوله تعالى { فأنى تُسْحَرُونَ } أي: فكيف تصرفون عن الحق إلى الباطل .
وقد ذكر السحر في القرآن والسنة ، واتفق علماء المسلمين على أن هناك شيئًا يسمى سحرًا ، إلا أنهم اختلفوا في تصويره .
فجمهور أهل السنة ذهب إلى أن للسحر آثارًا حقيقية ، وأن الساحر قد يأتي بأشياء غير عادية ، إلا أن الفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله - تعالى - واستدلوا على ذلك بأدلة منها .
أولا: أن الله - تعالى - قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن يستعيذ به { وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد } وهم السحرة - على أرجح الأقوال .
قال الإِمام ابن كثير: قوله تعالى { وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد } قال مجاهد وعكرة والحسن وقتادة والضحاك ، يعني السواحر قال مجاهد"إذا رقين ونفثن في العقد".
فالآية الكريمة تدل على أن للسحر آثارًا حقيقية ، وإلا لما أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شرور السحرة .
ثانيًا: قال الإِمام البخاري: - في باب هل يستخرج السحر -: حدثني عبد الله بن محمد ، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابن جريج يقول: حدثني آل عروة عن عروة ، فسألت هشامًا عنه فحدثنا عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذلك . فقال:""يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ، فقال الذي عند رأسي للآخر ، ما بال الرجل: مطبوب ، قال ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم - رجل من بني زريق حليف اليهود كان منافقًا - قال . وفيم: قال: في مشط ومشاطه ، قال: وأين؟ قال في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان . قالت: فأتى البئر حتى استخرجه ، فقال:"هذه البئر التي أريتها وكأن نخلها رءوس الشياطين"قال فاستخرج - أي السحر - قالت: فقلت أفلا - أي - تنشرت؟ فقالت: " إن الله قد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًا""."
فهذا الحديث الصحيح يفيد أن السحر قد أثر في جسم الرسول صلى الله عليه وسلم بنوع من المرض أو الثقل ، دون أن يكون لذلك أدنى تأثير في عقله .
قال الإِمام ابن القيم: هذا هو الحديث الذي رواه البخاري ، وهو ثابت عند أهل العلم بالحديث لا يختلفون في صحته ، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيحه ، ولم يتكلم فيه أهل الحديث بكلمة واحدة ، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقه ، وهؤلاء أعلم بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأيامه .
وقال الإِمام القرطبي"الأدلة متوفرة على أن للسحر حقيقة ، فهو مقطعوع به بإخبار الله - تعالى - ورسوله على وجوده ووقوعه ، وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإِجماع ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق ، ولقد شاع السحر وذاع في ساق الزمان ، وتكلم الناس فيه ، ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله ."
وقال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي . قال المازري:"مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة . خلافا لمن أنكر ذلك وني حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها . وقد ذكره الله - تعالى - في كتابه وذكر أنه مما يتعلم . وذكر فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به . وأنه يفرق بين المرء وزوجه . وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له ، وهذا الحديث أيضًا مصرح بإثباته ."
وأنه أشياء دفنت وأخرجت ولا يستنكر في العقل أن الله - سبحانه - يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق أو تركيب أجسام ، أو المزج بين قويى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر . قال: وقد أنكر بعض المتبدعة هذا الحديث لسبب آخر . فزعم أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها ، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع وهذا الذي ادعاه بعض المبتدعة باطل لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك . قال القاضي عياض: وقد جاءت روايات مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه ، لا على قوله وقلبه واعقتاده ، ويكون معنى قوله في الحديث:"حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأنيهن"أن يظهر من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن ، فإذا دنا منهن أخذته أخذه السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحور .
أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى أن السحر لا حقيقة له ، وإنما هو تخييل وتمويه كما قال تعالى في سحرة فرعون { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } فأخبر - سبحانه - أن ما ظنوه سعيًا منها لم يكن سعيًا على الحقيقة إنما كان تخييلا وتمويهًا . وقال تعالى في سحرة فرعون أيضًا { فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } أي فلما ألقوا عصيهم موهوا على الناس حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى ، وأرهبوهم بما فعلوه ، وجاءوا بسحر عظيم في فنه .
والذي نراه أن السحر على أضرب منها:
أولا: ضرب يترتب على مزاولته قلب الحقائق كقلب الإِنسان حيوانًا وعكسه ، وهذا قد منعه المعتزلة بحجة أن الساحر لو أمكمنه ذلك لا لتلبس فعله هذا بمعجزات الأنبياء . وأهل السنة أجازوا وقوعه وإن كان لم يقع فعلا . ويفرقون بينه وبين المعجزة إن وقع ، بأن المعجزة خارق يظهر على يد من يدعى النبوة على سبيل التحدي والمعارضة ، والسحر ليس فيه دعوة نبوة ولا معارضة .
هذا ، مع ملاحظة أن السحر يمكن تعلمه وتعليمه ، ولا يظهر إلا على يد شرير بخلاف المعجزة .
قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين: وهذا النوع لم يقع لنا دليل في الشريعة على وقوعه ، وربما كانت الحاجة إلى الفرق بين المعجزة والسحر فرقًا واضحًا تقتضي عدم وقوعه ، فالساحر لا يبلغ أن يقلب العصا ثعبانًا ، ولا أن يفلق البحر فتمر بين فرقيه الجيوش ولا أن يجعل الماء ينبع بين الأصابع فتروى منه العطاش ، أعني أنه لا يجزي على يده من خوارق العادات ، مثل ما يجري على أيدي الأنبياء للإِعجاز .
ثانيًا: أن يزاول بعض أرباب النفوس الخبيثة أفعالا يترتب عيلها الضرر بدون مماسة ولا ملابسة لمن وقع عليه الضرر ، وهذا الضرب قد جوز وقوعه أهل السنة ومنعه المعتزلة ، ومن أمثلته ما يفعله السحرة للتفريق بين المرء وزوجه والظاهر في هذا الضرب قول أهل السنة لأن القرآن الكريم قد حكى عن السحرة أنهم يتعلمون من السحر ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، وقد حص الحديث أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه حينما استخرج السحر خف جسمه صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال .
ثالثًا: مزاولة أسباب يترتب عليها آثار ظاهريه لا حقيقية وهذا الضرب واقع باتفاق بين أهل السنة والمعتزلة ، وقد حكاه القرآن الكريم عن سحرة فرعون في قوله تعالى: { فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم } وفي قوله تعالى: { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } هذا ، وقد حذر الإِسلام من تعاطى السحر للأذى ، وجاءت تعاليمه بذمة وتحريمه ، وتوعدت مرتكبه بالعقوبات الأليمة ، ففي الحديث الشريف"حد الساحر ضربه بالسيف".
وقد أفتى بعض الفقهاء بقتل الساحر لأنه زنديق ، وبعضهم أفتى بأن الساحر إذا كان قد أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقنص منه ، وإن كان قد أحدث به ما لا قصاص فيه ، حكم عليه بدية مناسبة .
وبعد: فهذه كلمة ذكرناها عن السحر ، لم نقصد بها الخوض في تفصيلاته . وإنما قصدنا بها إعطاء القارئ فكرة مختصرة عنه بمناسبة حديثنا عن رذائل اليهود التي منها نبذهم لكتاب الله واتباعهم للأوهام والأباطيل والأكاذيب