فهرس الكتاب

الصفحة 2145 من 4557

قلت: كم حكى عنهم من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على الله وتحريف كتابه وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب البحت ولم يبالوا، فكيف يمتنعون من أن يقولوا إنّ التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه، مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم وإخبارهم عن ضمائرهم، وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدّق مع احتمال أن يكون كاذبًا لأنه أمر خافٍ لا سبيل إلى الاطلاع عليه { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِمينَ } تهديد لهم { وَلَتَجِدَنَّهُمْ } هو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى مفعولين في قولهم: وجدت زيدًا ذا الحفاظ ومفعولاه «هم أحرص» .

فإن قلت: لم قال: { عَلَى حَيَوةٍ } بالتنكير؟

قلت: لأنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبيّ «على الحياة» { وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكواْ } محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس: أحرص من الناس.

فإن قلت: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟

قلت: بلى، ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد. ويجوز أن يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة أحرص الناس عليه. وفيه توبيخ عظيم: لأنّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقًا بأعظم التوبيخ.

فإن قلت: لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟

قلت: لأنهم علموا ـ لعلمهم بحالهم ـ أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك.

وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس، لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: هو قول الأعاجم: زي هزار سال. وقيل: «ومن الذين أشركوا» كلام مبتدأ، أي ومنهم ناس { يَوَدُّ أَحَدُهمْ } على حذف الموصوف كقوله:

{ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }

[الصافات: 164]

والذين أشركوا ـ على هذا ـ مشارٌ به إلى اليهود، لأنهم قالوا: عزير ابن الله. والضمير في { وَمَا هُوَ } لأحدهم و { أَن يُعَمَّرَ } فاعل ( بمزحزحه) ، أي: وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره. وقيل: الضمير لما دلّ عليه ( يعمر ) من مصدره، وأن ( يعمر ) بدل منه.

ويجوز أن يكون «هو» مبهمًا، وأن «يعمر» موضحه. والزحزحة: التبعيد والإنحاء

فإن قلت: يودّ أجدهم ما موقعه؟

قلت: هو بيان لزيادة حرصهم على طريق الإستئناف.

فإن قلت: كيف اتصل لو يعمر بيودّ أحدهم؟

قلت: هو حكاية لودادتهم. و «لو» في معنى التمني، وكان القياس: لو أعمر، إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله: { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ } كقولك: حلف بالله ليفعلنّ

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّاوَإِذَا خَلَابَعْضُهُمْ

"وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّاوَإِذَا خَلَابَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ; (آية 76) .قال ابن زيد: كانوا إذا سئلوا عن الشيء قالوا: أما تعلمون في التوراة كذا وكذا؟ قالوا بلى، قال: وهم يهود، فيقول لهم رؤساؤهم الذين يرجعون إليهم مالكم تخبرونهم بالذي أنزل الله عليكم فيحاجوكم به عند ربكم، أفلا تعقلون؟ وقد جاء في الحديث أن محمدًا قال: لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْنا قَصبَة المَدِينَةِ إلاَّ مُؤْمِنٌ فقال رؤساء اليهود، اذهبوا فقولوا آمنا، واكفروا إذا رجعتم، قال: فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون إليهم بعد العصر"وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ; (آل عمران 3: 72) .

فالعبارة القرآنية حكاية عن حادثة وقعت لمحمد وليس فيها شيء من الوحي، وهي تدل على أن المسلمين كانوا يتعلّمون من أهل الكتاب كثيرًا (الطبري في تفسير البقرة 2: 76) .

الرد

أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * { وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت