لقد صارت المرأة في الغرب"صديقة"صالحة ، تصادق الرجل ، وتتلقى مغازلاته وضروراته الجنسية ، وتشترك معه في بعض مشكلاته ، ولكنها لم تعد تستطيع أن تكون زوجة صالحة وأُمًّا صالحة . وليس يجدي في إنكار ذلك صياح المحمومين هنا والمحمومات . فهذه حقائق الأرقام تؤيد ما نقول ، فقد ارتفعت نسبة الطلاق في أمريكا إلى 4.% وهي نسبة بشعة خطيرة الدلالة . أما أوربا فقد تكون نسبة الطلاق فيها أقل . ولكن اتخاذ العشيقات والأخدان أمر شائع هناك ومعروف بين المتزوجين . ولو كانت المرأة زوجة صالحة بمعنى أنها قادرة على الاستقرار في أسرة وإعطائها كل رعايتها ، لما حدث هذا الطلاق في أمريكا أو ما يشبهه من الهروب من البيت والزوجية في أوربا . أما الأمومة فقد سبق الحديث عنها ، حين قلنا إن اشتغال المرأة بالعمل - وهو الذي يدرب المرأة الحديثة - لا يتيح لها الفرصة الزمنية ولا النفسية للاشتغال بالأمومة . فالمرأة المكدودة المنهوكة من العمل لا تجد في أعصابها طاقة للأمومة الحقة ، ولا في نفسها فسحة لاستقبال مزيد من التبعات .
أما المجموع البشري فماذا استفاد ، بصرف النظر عن البهجة والانشراح ؟ ! وهل حل مشاكل العالم هذا البضع من النساء في برلمانات العالم ووزاراته ودواوينه ، أم هذه الألوف والملايين في مصانعه ومتاجره وحاناته ومواخيره ؟ وهل لا يكون للمرأة دور تؤديه في المجتمع إلا أن تقف بنفسها تخطب في البرلمان ، أو تمضي بنفسها قرارًا من قرارات الموظفين ؟ .. وحين تربي أبناءها رجالًا ونساء تربية ذات هدف معين ، فتخرج منهم مواطنين صالحين ، وبشرًا أسوياء لا تفسدهم الاضطرابات والانحرافات .. لا يكون لها دور في المجتمع ؟ لقد تأخذها النشوة وهي تتلقى التصفيق في البرلمان ، أو الإعجاب في"الصالون"أو الطريق العام . ولكن هذه النشوة الموقوتة ما قيمتها في حياة البشرية إذا كان يصحبها إخراج أجيال من البشرية بلا أمهات ؟ ! أجيال ينقصها عنصر الحب الذي يوازن شهوة الصراع في نفوس البشر ، والذي لا يمكن أن تبذره في النفوس إلا أم تمنح كيانها وعبقريتها لإنتاج البشر .
وليس بنا أن نقسو على المرأة ونحرمها متع الحياة وتحقيق كيانها الشخصي ، ولكن متى كانت الحياة تتركنا - رجالًا أو نساء - نستمتع كما نريد ، ونحقق كياننا كما نريد ؟ وحين تتملكنا الأنانية فنفضل أن نستمتع بذواتنا بغير حد ، فما الذي يحدث ؟ أليس يحدث أن تخلفنا على الأرض أجيال شقية ، تشقى بسبب أنانيتنا نحن وانحرافنا نحن ؟ أو ليست هذه الأجيال الشقية تشمل الرجال والنساء ؟ فهل ينفع قضية المرأة كجنس دائم على الأرض أن يستمتع بعض أفراده متعة زائدة في جيل من الأجيال ، ليشقى بقية أفراده في مقتبل الأجيال ؟
وهل يعاب على الإسلام أنه ينظر إلى البشرية كلها باعتبارها سلسلة متصلة الحلقات لا تنتهي عند جيل معين ، ولا ينفصل منها جيل عن جيل ، فيعمل لما فيه نفع الأجيال كلها ، ولا تستهويه شهوة جيل بعينه ، فينساق معه على حساب بقية الأجيال ؟
إنما كان يعاب عليه لو أنه يحرم المتاع في جميع صوره وأشكاله ، ويقف في طريق النزعات الفطرية فيكبتها ويمنع إشباعها .
فهل ذلك ما يصنعه الإسلام حقًا ؟
ردنا على ذلك في الفصل القادم:"الدين .. والكبت". (محمد قطب)
انظروا ماذا قال علماء النفس الغربيون عن الدين ؟
قالوا إنه يكبت النشاط الحيوي للإنسان ، ويظل ينكّد عليه حياته نتيجة الشعور بالإثم ، ذلك الشعور الذي يستولي على المتدينين خاصة فيخيل لهم أن كل ما يصنعونه خطايا لا يطهرها إلا الامتناع عن ملذات الحياة . وقد ظلت أوربا غارقة في الظلام طيلة تمسكها بالدين ، فلما نبذت قيود الدين السخيفة ، تحررت مشاعرها من الداخل ، وانطلقت في عالم العمل والإنتاج
أفتريدون إذن أن تعودوا إلى الدين ؟ تريدون أن تكبلوا المشاعر التي أطلقناها - نحن التقدميين - وتنكدوا على الشباب المتدفق بقولكم: هذا حرام وهذا حلال ؟
ونترك أوربا تقول في دينها ما تشاء . ولا يعنينا هنا أن نصدقه أو نكذبه ، لأننا لا نتحدث عن الدين عامة ، وإنما نتحدث عن الإسلام .
وقبل أن نذكر شيئًا عن كبت الإسلام للنشاط الحيوي أو عدم كبته له ، ينبغي أولًا أن نعرف ما هو الكبت ، لأن هذه اللفظة كثيرًا ما يساء فهمها واستخدامها في كلام المثقفين أنفسهم ، فضلًا عن العوام والمقلدين .