وهى كذلك تزجر غيره عن التفكير في مثل هذه الفعلة وتمنع من يفكر من أن يقارف الذنب ، وهى أيضًا نكال"مانع"من الجريمة على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة.
ثانيًا: إن من المقرر لدى علماء الإسلام قاعدة"درء الحدود بالشبهات"أى جعل الظن والشك في صالح المتهم .
ثالثًا: ليس المراد بالحدود التشفى والتشهى وإيقاع الناس في الحرج وتعذيبهم بقطع أعضائهم أو قتلهم أو رجمهم .
إنما المراد هو أن تسود الفضيلة ، ومن هنا نجد الشرع الشريف ييسر في هذه الحدود
فإذا اشتدت الظروف في حالات الجوع والخوف والحاجة تعطل الحدود ، كما فعل سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ في عام الرمادة .
ومن التيسير أيضًا أن الإسلام يأمر بالستر قبل الوصول إلى الحاكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ يشهد على الزنا: [ لو سترته بثوبك كان خيرًا لك ] (1) .
رابعًا: الشريعة الإسلامية شريعة عامة لكل زمان ومكان ، والناس مختلفون في ضبط نفوسهم ، فلابد من وجود عقاب رادع يضبط أصحاب النفوس الضعيفة من الوقوع في الجرائم والحدود والردة عن الإسلام حتى يسلم المجتمع من الفساد ظاهرًا وباطنًا
خامسًا: الحدود إنما هى جزء من النظام الإسلامى العام ، فلابد من فهم النظام ككل حتى تفهم الحدود ولا يمكن تطبيق الحدود إلا مع تطبيق النظام الإسلامى ككل وإلا لا ينسجم الأمر ولا تستقيم حكمة الله من تشريعه .
سادسًا: الحدود دعوة صريحة للتخلق بالأخلاق الحسنة التى هى من مقاصد الدين وهى أيضًا طريق إلى التوبة إلى الله ، فالمذنب إذا عوقب بعقاب الشارع الذى هو منسجم مع تكوينه وواقع وفق علم الله تعالى به وبنفسيته فإن هذا يخاطب قلبه ومشاعره بوجوب الرجوع إلى ربه .
ويكفى ارتداع المسلم عن الجريمة ودخوله في رحمة ربه معرفته بأن ربه هو الذى شرع له هذا الحكم ، فإن هذا وحده من شأنه أن يجعله يتوب وينجذب إلى ربه ويصير مؤمنًا بالله جل جلاله خاصة إذا علم أن هذا الحد يكفر عنه هذا الذنب .
سابعًا: الإسلام دين ، والحدود والتعازير إنما هى في كل دين بل وفى كل نظام قانونى ومن أراد على ذلك مثال فالتوراة مثلًا تأمر بحرق الزانية والزانى إذا كانت ابنة كاهن .
ذلك قولهم"وإذا تدنست ابنة كاهن بالزنا فقد دنست أباها ، بالنار تحرق [اللاويين 21: 9] ."
ومن النظم القانونية من يأمر بقتل الخارج على النظام إلى غير ذلك .
ثامنًا: الحدود عقوبات واعية تتناسب مع النفس البشرية والعقوبات البديلة خالية من هذه القيم .
(1) رواه أبو داود.
الشبهة: ... ...
أساسها: ... ...
مصدرها: ... ...
الرد على الشبهة:
إن النظام الإسلامى كلٌ متكامل ، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر في طبيعة النظام وأصوله ومبادئه ، كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملًا ويعمل به جملة واحدة هذا بصفة عامة .
أما بالنسبة لحد السرقة:
فإن الإسلام يقرر حق كل فرد في الحياة وحقه في كل الوسائل لحفظ حياته ، ومن حق كل إنسان أن يحصل على هذه الوسائل:
أولًا: عن طريق العمل مادام قادرًا على العمل ، فإن لم يستطع أن يحصِّل أسباب الحياة فعلى المجتمع المسلم أن يوفر له ما يحفظ حياته أولًا من النفقة التى تفرض له شرعًا على القادرين في أسرته .
ثانيًا: على القادرين من أهل محلته .
ثالثًا: من بيت مال المسلمين من حقه المفروض له في الزكاة في نظام تكافلى للرعاية الاجتماعية والأمن الاجتماعى .
والإسلام كذلك يتشدد في تحديد وسائل جمع المال فلا تقوم الملكية الفردية فيه إلا على حلال ، ومن ثم لا تثير الملكية الفردية في المجتمع المسلم أحقاد الذين لا يملكون ، حيث يمكن لكل أحد أن يصبح غنيًّا بالوسائل المشروعة المتاحة والسوق التنافسية الشريفة . والإسلام يربى ضمائر الناس وأخلاقهم ، فيجعل تفكيرهم يتجه إلى العمل والكسب لا إلى السرقة ، وبذلك يحفظ مصالح الفرد والمجتمع معًا .
إذن فلماذا يسرق السارق في ظل هذا النظام ؟
إنه لا يسرق إلا للطمع في الثراء من غير طريق العمل ، والثراء لا يطلب من هذا الوجه الذى يروع الجماعة المسلمة في دار الإسلام ، ويحرمها الطمأنينة التى من حقها أن تستمتع بها ، ويحرم أصحاب المال الحلال أن يطمئنوا على مالهم الحلال .
فإذا سرق إنسان بعد هذا فإنه لا يسرق وله عذر ، ولا ينبغى لأحد أن يرأف به متى ثبت عليه الجريمة وأحيل أمره إلى النظام .
ونفس الإنسان فطرت على حب المال ولعل هذا هو الذى يدفع معظم الناس إلى العمل والكد. والإسلام دائمًا يقوّم دوافع النفس حتى تنضبط إما بالترغيب أو بالترهيب . من هنا حض الإسلام على الكسب الحلال ورغّب فيه ورهّب من السرقة بهذه العقوبة ، حتى يستقيم المجتمع بما فيه من بار وفاجر . يقول رسول الله - صلي الله عليه وسلم - [ إن الله ليدع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ] .