والشيوعية لا تعني في بداية الأمر إلا بالعقائد الاشتراكية الكبرى والمبادئ الرئيسية العامة، وكان جل اهتمامها منصبًا على الجانب السلبي الذي يجب هدمه حتى يمتهد الطريق لإقامة اقتصاد اشتراكي، أما الخطوات الجزئية والبرامج التفصيلية فلا تكاد تجد في كتابات روادها الأوائل ما يغطي شيئًا من ذلك، بل إن ماركس في رسالته التي كتبها إلى صديقه (تيسلي) عام 1869م اعتبر ذلك من قبيل الرجعية، وأن من يرسم خطة للمستقبل يكون رجعيًا، ومن هنا يقرر ندلوب ميلا أن ماركس كان بخيلًا جدًا في تحديد المجتمع الجديد وفي امتناعه عن إعطاء أية صورة واضحة عنه.
يقول مؤلفو علم الاقتصاد الحديث: (لقد ركز كل من"ماركس"و"لينين"اهتمامهما في العقائد الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك عندما تسلم"البولشيفك"زمام السلطة سنة 1917م لم يكن أمامهم أي مخطط جاهز للنظام الاقتصادي الذي ستنشئه ديكتاتورية العمال، ولقد حاولوا لفترة قصيرة تطبيق نظرية ماركس في"القيمة المنبثقة من العمل"لكنهم تخلوا عن هذه المحاولة، وأظهر"البولشيفك"براعة سياسية أمنت لهم البقاء في الحكم، وأخذوا يطبقون التجارب على مر السنين حتى أنشأوا النظام الروسي الحالي، وربما كان باستطاعة الزعماء الروس أن يكتشفوا نفس النتائج بطريقة أقصر، وكلفة أقل لو درسوا علم الاقتصاد دراسة نظامية، ولكن عقيدتهم الماركسية كانت تنكر هذا العلم من أساسه) اهـ
فإذا كان هذا هو المنهج مع كبريات الحركات العالمية التي ينتمي إليها هؤلاء الخصوم فلماذا يطالبون العمل الإسلامي وحده بأن يقدم ابتداءً برامجه التفصيلية وحلوله العملية لكل جزئية من جزئيات الحياة في المجتمع، وهو الأمر الذي اعتبره قادتهم وأئمتهم من جنس الرجعية والتخلف ؟
سادسًا: إن كثيرًا من مشكلاتنا المعاصرة هي نتاج لهذه المناهج الوضعية السائدة في بلادنا، وترتبط بها وجودًا وعدمًا ، وقد يختفي كثير منها بحلول أيديولوجية أخرى لتنشأ مشكلات من نوع آخر وتحديات من لون جديد ، فلماذا نفترض أن كل علل مجتمعاتنا سوف تبقى في ظل تحكيم الشريعة، وأن علينا أن نستغرق في وضع الحلول التفصيلية لها من الآن؟ ألا يعد هذا من قبيل العبث وإضاعة الوقت فيما لا طائل تحته ؟! ) .
( المرجع:"تحكيم الشريعة ودعاوى العلمانية"د / صلاح الصاوي) .
الجواب: للأدلة التالية:
1-قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [ التوبة: 100] .
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:"فوجه الدلالة أن الله تعالى أثنى على من اتبعهم؛ فإذا قالوا قولًا فاتبعهم متبع قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم، فيجب أن يكون محمودًا على ذلك، وأن يستحق الرضوان."
ولو كان اتباعهم تقليدًا محضًا كتقليد بعض المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عاميًا، فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم إتباعهم حينئذ"."
قلت: دلت الآية على حجية منهج الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه دليل فاستحق متبعهم الرضوان فلا يمدح إلا من اتبع الدليل، ولذلك وجب إتباعهم على العالم والعامي سواءً؛ لأن فرض العالم إتباع الدليل؛ كما قال تعالى: { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } [الأعراف: 3] ولو لم يكن كذلك لاستحق العقوبة، ولم يستحق الرضوان؛ فتدبر.
2-قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [يس: 21] .
قال ابن قيم الجوزية - رحمه الله:"هذا ما قصّه الله - سبحانه وتعالى - عن صاحب يس على سبيل الرضا بهذه المقالة، والثناء على قائلها، والإقرار له عليها."
وكل واحد من الصحابة لم يسألنا أجرًا وهم مهتدون بدليل قوله تعالى: خطابًا لهم: { وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103] .
ولعل من الله واجب .
وقوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ * وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 16 ، 17] .