فهرس الكتاب

الصفحة 2091 من 4557

كما أن ما يحويه القرآن من آيات وأحكام ومعجزات ومعلومات يحتاج في تعلمه إلى وقت طويل يتتلمذ فيه محمد على يد هؤلاء، وما جربتم على محمد شيئًا من هذا كله.

وهل يعقل أن ما في القرآن يمكن أن يطويه صدر واحد من هؤلاء؟! لو حدث لكان له في المكانة والمنزلة بين قومه ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم من منزلة، ولأشاروا إليه بالبنان ولذاع صيته، واشتهر أمره، وشيء من ذلك لم يحدث.

وقوله تعالى:

{وهذا لسان عربي مبين"103"}

(سورة النحل)

أي: لغته صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن عربية واضحة مبينة، لا لبس فيها ولا غموض

مَن كفر بالله مِن بعد إيمانه، إلا مَن أُكرِهَ وقلبه مطمئنٌ بالإيمان

نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه وأمه وغيرهم فعذّبوهم، وقتلوا أباه وأمه، وأما عمار فوافقهم وكفر بمحمد وقلبه كاره. فأتى عمارُ محمدًا وهو يبكي فقال له محمد: كيف وجدت قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان فجعل محمد يمسح عينيه وقال: إن عادوا فعُدْ لهم بما قلت (الرازي في تفسير هذه الآية) . يعني يجوز الكفر باللسان إذا كان في القلب الإيمان.

وهذا تعليم فاسد، فهل يرضى الله بالشِرْك به باللسان؟ قال المسيح: لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها، بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم... مَن ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضًا قدَّام أبي الذي في السموات (متى 10: 28 ، 33)

الرد

(من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم"106")

الحق سبحانه وتعالى سبق وأن تحدث عن حكم المؤمنين وحكم الكافرين، ثم تحدث عن الذين يخلفون العهد ولا يوفون به، ثم تحدث عن الذين افتروا على رسول الله والذين كذبوا بآيات الله، وهذه كلها قضايا إيمانية كان لابد أن تثار.

وفي هذه الآية الكريمة يوضح لنا الحق سبحانه وتعالى أن الإيمان ليس مجرد أن تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فالقول وحده لا يكفي ولابد وأن تشهد بذلك، ومعنى تشهد أن يواطئ القلب واللسان كل منهما الآخر في هذه المقولة.

والمتأمل لهذه القضية يجد أن القسمة المنطقية تقتضي أن يكون لدينا أربع حالات:

الأولى: أن يواطئ القلب اللسان إيجابًا بالإيمان؛ ولذلك نقول: إن المؤمن منطقي في إيمانه؛ لأنه يقول ما يضمره قلبه.

الثانية: أن يواطئ القلب اللسان سلبًا أي: بالكفر، وكذلك الكافر منطقي في كفره بالمعنى السابق.

الثالثة: أن يؤمن بلسانه ويضمر الكفر في قلبه، وهذه حالة المنافق، وهو غير منطقي في إيمانه حيث أظهر خلاف ما يبطن ليستفيد من مزايا الإيمان.

الرابعة: أن يؤمن بقلبه، وينطق كلمة الكفر بلسانه.

وهذه الحالة الرابعة هي المرادة في هذه الآية. فالحق تبارك وتعالى يعطينا هنا تفصيلًا لمن كفر بعد إيمان، وما سبب هذا الكفر؟ وما جزاؤه؟

قوله:

{من كفر بالله من بعد إيمانه .."106"}

(سورة النحل)

هذه جملة الشرط تأخر جوابها إلى آخر الآية الكريمة، لتقف أولًا على تفصيل هذا الكفر، فإما أن يكون عن إكراه لا دخل للإنسان فيه، فيجبر على كلمة الكفر، في حين قلبه مطمئن بالإيمان.

{من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .."106"}

(سورة النحل)

ثم سكت عنه القرآن الكريم ليدلنا على أنه لا شيء عليه، ولا بأس أن يأخذ المؤمن بالتقية، وهي رخصة تقي الإنسان موارد الهلاك في مثل هذه الأحوال. وفي تاريخ الإسلام نماذج متعددة أخذت بهذه الرخصة، ونطقت كلمة الكفر وهي مطمئنة بالإيمان. وفي الحديث الشريف:"رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه".

ويذكر التاريخ أن ياسر أبا عمار وزوجه سمية أول شهيدين في الإسلام، فكيف استشهدا؟ كانا من المسلمين الأوائل، وتعرضوا لكثير من التعذيب حتى عرض عليهم الكفار النطق بكلمة مقابل العفو عنهما، فماذا حدث من هذين الشهيدين؟ صدعًا بالحق وأصرًا على الإيمان حتى نالا الشهادة في سبيل الله، ولم يأخذا برخصة التقية.

وكان ولدهما عمار أول من أخذ بها، حينما تعرض لتعذيب المشركين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت