فهرس الكتاب

الصفحة 3263 من 4557

وأما الادعاء بأن الاختلاف المذهبي والطائفي كان له تأثير على الحكم على الرواة وتجريحهم ، فإن أهل السنة لم يكونوا يجرحون مخالفيهم من أهل الأهواء والبدع إلا إذا كانت بدعته تؤدي إلى كفر ، أو وقوع في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو أن يكون داعية إلى بدعته لأن الداعية قد يحمله تزيين بدعته على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه ، أو لم يكن داعية ولكن حديثه موافق لما يدعو إليه ، ويرون في ذلك كله ما يشكك في صدقه وأمانته ، فالخلاف في التجريح بين أهل السنة وغيرهم راجع في الحقيقة إلى الشك بصدق الراوي وعدالته وضبطه لما يرويه ، وليس إلى مجرد الخلاف المذهبي الطائفي ، وهي قاعدة ثابتة عند المحدثين

ولذلك وجدنا أصحاب الكتب الستة وفي مقدمتهم الشيخان يحتجون بأحاديث جماعة من المبتدعة الثقات في كتبهم ماداموا مستوفين لشروط الرواية ، فقد حدَّث البخاري عن عباد بن يعقوب الرواجني الذي كان يقول فيه ابن خزيمة: حدثنا الصدوق في روايته ، المتهم في دينه عباد بن يعقوب ، واحتج بمحمد بن زياد الألهاني وحريز بن عثمان الرحبي ، وهما ممن اشتهر عنهما النصب ، وعمران بن حطان الخارجي ، وأبان بن تغلب الذي قال فيه الذهبي:"شيعي جلد ، لكنه صدوق ، فلنا صدقه وعليه بدعته"، وذلك لعمر الله قمة العدل والإنصاف .

فعلم مما سبق أن المحدثين لم ينطلقوا في توثيقهم وتجريحهم ، وتصحيحهم وتضعيفهم من الأهواء والأمزجة ، وإنما انطلقوا من قواعد متينة وأرض صلبة ، فاشترطوا في الجارح شروطًا عالية ، ومؤهلات دقيقة ، وجعلوا لذلك آدابًا وأحكامًا ، وجوزوه بقدر الحاجة ، ولم يقبلوا منه إلا ما كان موافقًا للأصول والقواعد ، فجاءت أحكامهم في منتهى الدقة والنزاهة ، فجزاهم الله عن أمة الإسلام خير الجزاء .

المراجع:

-أصول منهج النقد عند أهل الحديث د.عصام البشير

-موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية الأمين الصادق الأمين

-دفاع عن السنة د. محمد أبو شهبة

-السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي د.مصطفى السباعي

-منهج النقد في علوم الحديث د. نور الدين عتر

(الشبكة الإسلامية)

على الرغم من وضوح المنهج الذي سلكه المحدثون لحفظ السنة وضمان صيانتها عن العبث والتحريف ، والافتراء والدس ، فقد وُجد من شكك في سلامة هذا المنهج ونزاهته من خلال بعض الشبهات التي أثيرت حول منهج النقد عند المحدثين ، بدأً من التشكيك في الإسناد وجدواه وأهميته والادعاء زورًا وبهتانًا بأنه منهج عقيم لم يثمر إلا الخلاف والفرقة، وبالتالي فليس له أثر يذكر في حفظ الحديث وصيانته ، وانتهاءً بالادعاء بأن المحدثين عولوا في نقدهم للأحاديث على الأسانيد فقط ، مغفلين تمامًا النظر إلى المتون والألفاط ، وبالتالي انصبت جهودهم في هذا المجال على الجانب الشكلي السطحي أو ما أطلقوا عليه النقد الخارجي ويعنون به نقد السند ، على حين غفلوا أو تغافلوا عن المضمون والمقصود أصالة من الحديث ، وهو ما أطلقوا عليه النقد الداخلي ، ويعنون به نقد المتون والألفاظ ، الأمر الذي نتج عنه تصحيح كثير من المتون التي حقها النقد والرد بسبب هذا المنهج الذي اعتمده المحدثون .

وقد ردد هذه الشبهة عدد من المستشرقين منهم"شاخت"الذي يقول:"ومن المهم أن نلاحظ أنهم أخفوا نقدهم لمادة الحديث وراء نقدهم للإسناد نفسه".

ويقول"جولد زيهر":"في النقد الإسلامي للسنة تهيمن النزعة الشكلية في القاعدة التي انطلق منها هذا العلم ، والعوامل الشكلية هي بصورة خاصة العوامل الحاسمة للحكم على استقامة وأصالة الحديث ، أو كما يقول المسلمون: على صحة الحديث ، وتختبر الأحاديث بحسب شكلها الخارجي فقط".

ويقول"كاتياني":"كل قصد المحدثين ينحصر ويتركز في وادٍ جدب ممحل من سرد الأشخاص الذين نقلوا المروي ، ولا يشغل أحد نفسه بنقد العبارة والمتن نفسه".

ويقول"غاستون ويت":"وقد درس رجال الحديث السنة بإتقان ، إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال ، والتقائهم ، وسماع بعضهم من بعض"ثم قال:"لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول مشافهة ثم جَمَعَهُ الحُفَّاظ ودوَّنُوه إلا أن هؤلاء لم ينقدوا المتن ، لذلك لسنا متأكدين من أن الحديث قد وصلنا كما هو عن رسول الله ، من غير أن يضيف إليه الرواة شيئا عن حسن نية في أثناء روايتهم الحديث".

ومع الأسف الشديد ، أن هذه الشبه التي أثارها المستشرقون حول منهج النقد عند المحدثين ، وبنوا عليها دراساتهم وأبحاثهم ، قد وَلِع بها بعض المستغربين من أبناء المسلمين ، حيث وجدت لها آذنًا صاغية تلقفتها وروجت لها ، من غير وعي أو تمحيص بل ربما تحت ستار المنهج العلمي والبحث الموضوعي ، وما هي إلا صدىً لما ردده من قبلهم من المستشرقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت