وقد وضع العلماء لهذا العلم قواعد وضوابط فتكلموا في شروط قبول الجرح والتعديل ، وألفاظهما ومراتبها ، وكيف يثبت تعديل الراوي وتجريحه ، وما هو العمل إذا تعارض الجرح والتعديل ؟ إلى غير ذلك من المباحث والقواعد المبسوطة في كتب المصطلح وعلوم الحديث ، والتي تضمن نزاهته وعدم الحيف في الحكم على الرواة .
ومن ذلك أنهم اشترطوا في الجارح أن يكون مجانبًا للهوى والعصبية والغرض الفاسد ، فلم يعتمدوا أي جرح لا يستند على أصول شرعية بل ردوه على قائله كائنًا من كان ، ومن ذلك ما جرى بين الأقران والنظراء ، لأن فلتات الألسن لا يسلم منها بشر فربما حدث غضب لمن هو من أهل التقوى ، قال السبكي:"الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسَّره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه ، ومادحوه على ذاميه ، ومزَكُّوه على جارحيه ، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه ، من تعصب مذهبي ، أو منافسة دنيوية ، كما يكون بين النظراء أو غير ذلك".
وأما الزعم بأن الناقد قد يأخذ على الراوي مزحة مزحها فيُجْرح بسببها وترد روايته ، فلا يخفى ما في هذا القول من التشويه والتلبيس المتعمد فإن المطالع لكتب الجرح والتعديل يجد أنهم ينصون على ضرورة ذكر سبب الجرح وتفسيره ، لأن الجارح ربما قدح بأمر ليس جارحًا في الحقيقة ، وقد عقد الخطيب البغدادي - في كتابه الكفاية - بابًا في"ذكر بعض أخبار من استُفْسِر في الجرح فذكر ما لا يسقط العدالة"، وأورد عدة أمثلة على ذلك تبين أن مثل هذه الأمور مما لا يقدح في الراوي ، ولذلك لم يقبلها العلماء ولم يعولوا عليها .
وأما اختلاف الأئمة في الرواة بين مجُرِّح ومُعَدِّل فمردُّه إلى اختلاف الأنظار ، وتباين الاجتهاد في أحوال الرواة حفظًا ونسيانًا ، ووهمًا وضبطًا ، كما تختلف اجتهادات المجتهدين في الأحكام الفقهية ، والمسائل الفرعية ، لأنه دخول وهم الرواي في حيِّز الكثرة أمر لا يوزن بميزان معلوم ، وإنما يرجع فيه إلى التحري والاجتهاد .
فالمحدثون يستعملون سائر الشروط المقررة عندهم ولكنهم يتفاوتون في تطبيقها بين متشدد ومعتدل ومتساهل ، تبعًا لتطبيق هذه القواعد ، يقول الإمام الذهبي مبينًا أقسام المتكلمين في الرجال ، وكيفية التعامل مع أقوالهم:
1-قسم منهم متشدد في الجرح ، متثبت في التعديل ، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث ، ويُلَيِّنُ بذلك حديثه ، فهذا إذا وثَّق شخصًا فعُضَّ على قوله بناجذيك وتمسك بتوثيقه ، وإذا ضعف رجلًا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه ، فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق ، فهو ضعيف ، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسرًا ، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلًا: ضعيف ، ولم يوضح سبب ضعفه ، وغيره قد وثقه ، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه ، وهو إلى الحسن أقرب ، وابن معين وأبو حاتم والجوزجاني متشددون .
2-وقسم في مقابلة هؤلاء ، كأبي عيسى الترمذي ، وأبي عبد الله الحاكم وأبي بكر البيهقي متساهلون .
3-وقسم كالبخاري ، وأحمد بن حنبل ، وأبي زرعة ، وابن عدي معتدلون منصفون"."
وبذلك ندرك أن اختلاف المحدثين ناشئ عن تعدد اجتهاداتهم كما هو الحال بالنسبة للفقهاء ، ولكن هذا الاختلاف لا يجوز أن يتخذ وسيلة للادعاء بتعذر الحكم على الرجال، وإضعاف الثقة بمنهجهم ، فهم وإن اختلفوا في بعض الأسباب فقد اتفقوا في كثير منها .
وأما الاستدلال بعبارة الذهبي التي قال فيها:"لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن ، على توثيق ضعيف ، ولا تضعيف ثقة"، فهو استدلال في غير موضعه ، وفهم على غير مراده ، فقد فهم"أحمد أمين"من العبارة أنه لم يتفق اثنان على توثيق رجل ولا على تضعيفه ، بل من يوثقه هذا يجرحه ذاك ، والعكس بالعكس ، وهو خلاف المقصود من العبارة عند تدقيق النظر ، فإن الإمام الذهبي رحمه الله قال - بعد أن تكلم عن مسائل في الجرح والتعديل ، واختلاف الأنظار في ذلك -:"ولكن هذا الدين مؤيد محفوظ من الله تعالى ، لم يجتمع علماؤه على ضلالة لا عمدًا ولا خطأ ، فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف ، ولا على تضعيف ثقة ، وإنما يقع اختلافهم في مراتب القوة ، أو مراتب الضعف ، والحاكم منهم يتكلم بحسب اجتهاده ، وقوة معارفه ، فإن ندر خطؤه في نقده ، فله أجر واحد والله الموفق"، فعُلِم من ذلك أن مراده أن علماء هذا الشأن متثبتون في نقد الرجال ، فلم يقع منهم أن اختلفوا في توثيق رجل اشتهر بالضعف ، ولا في تضعيف رجل عرف بالصدق والتثبت ، وإنما يختلفون فيمن لم يكن مشهورًا بالضعف أو التثبت ، فلن يختلف اثنان مثلًا في توثيق مالك والثوري وابن المبارك وأمثالهم ، ولن يختلف اثنان في جرح محمد بن سعيد المصلوب وأمثاله ، وإنما يختلفون في متوسط الحال كمحمد بن إسحاق صاحب المغازي والسير ، و الحارث الأعور فيتشدد فيه بعضهم ، ويقبله آخرون لتعدد جهات الضعف عندهم ، واختلافهم في بعض أسبابها .