فهرس الكتاب

الصفحة 3261 من 4557

ولأهمية هذا العلم وأثره في ضبط السنة وحفظها ، وسدِّ الأبواب أمام المتلاعبين ، جاء الطعن فيه من قبل المستشرقين والمستغربين على حد سواء ، حيث نبتت نابتة في الأزمة المتأخرة زعمت أن جرح الرواة وتعديلهم لم يكن مضبوطًا بضوابط معروفة ، بل كان قائمًا على الفوضى والمزاجية ، وبحسب ما تمليه الظروف والأهواء والحظوظ النفسية ، فليس هناك قواعد علمية دقيقة يحتكم إليها المحدثون ، ولهذا كان للاختلاف المذهبي والطائفي أثره في تحامل المحدثين في حكمهم على بعض الرواة ، حيث وثقوا من لا يستحق التوثيق ، وضعفوا من لا يستحق التضعيف ، وبالتالي صححوا أحاديث لم تكن لتبلغ هذه الدرجة ، مما يوجب عدم الثقة بمنهجهم في الجرح والتعديل ، ورد كثير من الروايات التي أثبتوها بناء على ذلك .

قال"جوينبل":"والحكم على قيمة المحدث قد يختلف اختلافًا بينًا ، فربما كان ثقة عند قوم ، ولكن عند غيرهم كانوا يعدونه في منتهى الضعف ، وربما اعتبروه كاذبًا في روايته".

ويقول"أحمد أمين"في ضحى الإسلام:"إن أحكام الناس على الرجال تختلف كل الاختلاف فبعض يوثق رجلًا ، وآخر يكذبه ، والبواعث النفسية على ذلك لا حصر لها ، ثم كان المحدثون أنفسهم يختلفون في قواعد التجريح والتعديل ، فبعضهم يرفض حديث المبتدع مطلقًا كالخارجي والمعتزلي ، وبعضهم يقبل روايته في الأحاديث التي لا تتصل ببدعته ، .... - إلى أن قال -: وبعض المحدثين يتشدد فلا يروي حديث من اتصلوا بالولاة ، ودخلوا في أمر الدنيا مهما كان صدقهم وضبطهم ، وبعضهم لا يرى في ذلك بأسًا متى كان عدْلًا صادقًا ، وبعضهم يتزمت فيأخذ على المحدث مزحة مزحها .... إلى غير ذلك من أسباب يطول شرحها ، ومن أجل ذلك اختلفوا اختلافًا كبيرًا في الحكم على الأشخاص ، وتبع ذلك اختلافهم في صحة روايتهم والأخذ عنهم".

ويقول في فجر الإسلام"وكان للاختلاف المذهبي أثر في التعديل والتجريح ، فأهل السنة يجرحون كثيرًا من الشيعة ، حتى إنهم نصوا على أنه لا يصح أن يروى عن علي ما رواه أصحابه وشيعته ، إنما يصح أن يروى ما رواه عنه أصحاب عبد الله بن مسعود ، وكذلك كان الشيعة من أهل السنة فكثير منهم لا يثق إلا بما رواه الشيعة عن أهل البيت وهكذا ، ونشأ عن هذا أن من يُعَدِّله قوم قد يجرحه آخرون ، قال الذهبي:"لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن على توثيق ضعيف ، ولا تضعيف ثقة"، ومع ما في هذا القول من المبالغة فهو يدلنا على مقدار اختلاف الأنظار في التجريج والتعديل".

ويقول"أبو رية":"إن علماء الجرح قد اختلفوا في الجرح والتعديل باختلاف مذاهبهم وأحوالهم".

ولرد هذا الكلام المتهافت ينبغي أن يعلم بداية أن التجريح والتعديل لم يكن متاحًا لأي أحد ، وأن المسألة لم تكن بهذه الفوضى والعشوائية التي يريد أن يصورها هؤلاء ، وذلك لخطورة الجرح وعظم مسؤوليته أولا ً ، فإن الكلام في أعراض الناس والإقدام على الطعن في المسلمين مزلة أقدام ، وشفا هلكة ، قال ابن دقيق العيد رحمه الله:"أعراض المسلمين حفرة من حفر النار ، وقف على شفيرها طائفتان المحدثون والحكام".

والأمر الآخر أن ذلك يتطلب من الأهلية والمُكْنة ما لا يمكن أن يصل إليه إلا القلة من جهابذة النقاد والمحدثين ، الذين لديهم اطلاع واسع على الأخبار والمرويات وطرقها ، ومعرفة تامة بأحوال الرواة ومقاصدهم وأغراضهم ، والأسباب الداعية إلى التساهل والكذب ، والموقعة في الوهم والخطأ ، مع معرفة بأحوال الراوي وتاريخ ولادته ، وبلده ، وديانته وأمانته وحفظه وسلوكه ، وشيوخه وتلاميذه ، ومقارنة مروياته بمرويات غيره إلى غير ذلك ، وهي منزلة لا يصل إليها كل أحد ، وليس أدلَّ على ذلك من أن رواة الأخبار كثيرون يعدون بالألوف ، وأما النقاد الحاذقون فإنهم قليل لا يتجاوزن أصابع اليد في كل طبقة ، وهؤلاء الأئمة الذين بلغوا هذه المرتبة لم يبلغوها إلا بعد استيفائهم للشروط التي تؤهلهم للتصدي لهذا الأمر .

وقد قام الأئمة بهذا الواجب حسبة لله ، وصيانة لدينه ، وحفاظًا على سنة نبيه ، قال أبو بكر بن خلاد ليحي بن سعيد:"أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماؤك عند الله ؟ فقال: لأن يكونوا خصمائي أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لِمَ لَمْ تذُبَّ الكذب عن حديثي ؟"فلم يكن الحامل لهم إذًا الأهواء أو الحظوظ النفسية أو غير ذلك من المقاصد السيئة كما زعم المرجفون ، ولذلك لم يجاملوا أحدًا حتى ولو أقرب الأقربين ، فوجدنا منهم من يضعف والده وولده وأخاه ، وقد سئل علي بن المديني عن أبيه فقال: اسألوا غيري ، فقالوا: سألناك ، فأطرق ثم رفع رأسه وقال:"هذا هو الدين أبي ضعيف"، وقال أبو داود صاحب السنن"ابني عبد الله كذاب"، وقال زيد بن أبي أنيسة:"لا تأخذوا عن أخي يحيى"، فكيف يقال بعد ذلك إن أحكامهم كانت صادرة نتيجة بواعث نفسية ؟ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت