فهو مثلًا يسعى إلى توزيع الثروة توزيعًا عادلًا ، وقد وصل في عهد عمر بن عبد العزيز إلى إلغاء الفقر من المجتمع . ويعتبر الدولة مسئولة عن كفالة كل فرد فيها بصرف النظر عن دينه وجنسه ولغته ولونه ومكانه في الحياة الاجتماعية . والدولة تكفل أفرادها بإيجاد العمل الكريم لهم . أو من بيت المال إذا لم يوجد عمل ، أو عجز عنه فرد من الأفراد . وبذلك يمنع الإسلام الدوافع المعقولة للسرقة . ومع ذلك يحقق في كل جريمة تقع ، ليتأكد قبل توقيع العقوبة أن مرتكبها لم يرتكبها بدافع الاضطرار .
وهو يعترف بقوة الدافع الجنسي وعنف إلحاحه على البشر . ولكنه يعمل على إشباع هذا الدافع بالطريق المشروع: طريق الزواج ، فيدعو إلى الزواج المبكر ، ويعين على إتمامه من بيت المال إذا حالت الظروف الخاصة دون إتمامه . ويحرص كذلك على تنظيف المجتمع من كل وسائل الإغراء التي تثير الشهوة ، وعلى وضع الأهداف العليا التي تستنفد الطاقة الحيوية الفائضة وتوجهها في سبيل الخير ، وعلى شغل أوقات الفراغ في التقرب إلى الله ، وبذلك كله يمنع الدوافع التي تبرر الجريمة . ومع ذلك فهو لا يبادر بتوقيع العقوبة حتى يكون مرتكبها قد تبجح بها استهتارًا بتقاليد المجتمع وإمعانًا في الهبوط الحيواني حتى ليراه أربعة شهود .
وأول ما يتبادر إلى الذهن هو أن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والخلقية الموجودة اليوم ، كلها تباعد بين الشباب وبين الزواج ، وتقرب بينهم وبين الجريمة . وذلك صحيح . والإسلام ينبغي أن يؤخذ كله وإلا فهو غير مسؤول عن انحرافات الجاهلية . وحين يحكم الإسلام فلن تكون هذه المثيرات الجنونية التي تدفع الشباب دفعًا إلى الهبوط . لن تكون السينما العارية والصحافة الخليعة والأغاني المبتذلة والفتنة الهائجة في الطريق . ولن يكون الفقر الذي يمنع الناس من الزواج . وعندئذ فقط يطالب الناس بالفضيلة وهم قادرون عليها وتوقع عليهم العقوبة وهم غير معذورين .
وهكذا شان الإسلام في بقية العقوبات . يعمل على وقاية المجتمع أولًا من دوافع الجريمة ، ثم يدرأ الحدود بالشبهات زيادة في الاحتياط . فأي نظام في الدنيا كلها يبلغ هذه العدالة ؟
وإن"الإفرنج"الذين يخشى المسلمون تشنيعهم على الإسلام بسبب تطبيق هذه العقوبات ليستفظعونها ويرون فيها إهدارًا لكيان الفرد واستهتارًا بشأنه ، لأنهم لم يدرسوا نظرة الإسلام للجريمة والعقاب على حقيقتها . ولأنهم يتصورون خطأ أنها كعقوباتهم"المدنية"ستطبق كل يوم ، فيتصورون في المجتمع الإسلامي مجزرة هائلة: هذا يجلد وهذا يقطع وهذا يرجم . ولكن الواقع أن هذه العقوبات الرادعة لا تكاد تنفذ .
ويكفي أن نعلم أن حد السرقة لم ينفذ إلا ست مرات في أربعمائة سنة لنعرف أنها عقوبات قصد بها التخويف الذي يمنع وقوعها ابتداء . كما أن معرفتنا بطريقة الإسلام في وقاية المجتمع من أسباب الجريمة قبل توقيع العقوبة تجعلنا في اطمئنان تام إلى العدالة في الحالات النادرة التي توقع فيها هذه الحدود .
ولن يجد هؤلاء"الإفرنج"أو غيرهم ما يخشونه من تطبيق الحكم الإسلامي إلا أن يكون كلهم مجرمين بالطبع ، مصرين على الإجرام رغم انتفاء المبررات التي تدفعهم إلى الجريمة !
وربما خيل لبعض الناس أنها إذن عقوبات صورية لا قيمة لها في الواقع . وهذا غير صحيح . فهي موجودة لتخويف بعض الأفراد الذين لا يلجئهم إلى الجريمة دافع معقول ، ولكنهم مع ذلك يحسون ميلًا إليها وإقبالًا على ارتكابها ، فمهما تكن أسباب هذا الدافع فسوف يراجع هؤلاء الأفراد أنفسهم مرات عديدة قبل ارتكاب الجريمة خوفًا من العقاب . وإن من حق المجتمع ما دام يعمل في سبيل الخير ، ويرعى الجميع بعنايته ، أن يطمئن على أرواحه وأعراضه وأمواله أن تمتد إليها يد العدوان . ثم إن الإسلام لا يمتنع عن علاج هؤلاء النزاعين إلى الجريمة بغير مبرر واضح ، ولا يتركهم - إذا اكتشفهم - فريسة لما ينطوون عليه من انحراف .
تلك عقوبات الإسلام التي يخشاها الشباب"المثقف"والتي ينفر منها بعض فقهاء القانون لئلا يصمهم الإفرنج بالهمجية والانحطاط ! ألا من يعلّم هؤلاء وهؤلاء حكمة هذا التشريع الإسلامي الرفيع ! ( محمد قطب)
أتريدون أن ترجعوا بنا ألف سنة إلى الوراء .. إلى عهد الخيام ؟
لقد كان الإسلام صالحًا لأولئك الحفاة الجفاة من الأعراب قبل ألف عام . وكانت سذاجته وبدائيته مناسبة للبيئة البدوية التي نشأ فيها . أما اليوم فهل يصلح في عهد المدنية والحضارة الآلية ؟ عصر الطائرات الصاروخية والقنابل الهيدروجينية وناطحات السحاب والسينما المجسمة ؟ !
إنه دين جامد لا يتفاعل مع الحضارة الحديثة ، ولا مناص من نبذه إذا أردنا أن نتحضر كبقية خلق الله !
شبهة غبية لا يقول بها أحد درس تاريخ هذا الدين . وإلا فأين ومتى وقف الإسلام في طريق الحضارة ؟