لا ريب على أي حال في أن كلتا النظرتين تشتمل على شيء من الحق وشيء من المبالغة . فالظروف المحيطة بالفرد ذات أثر بعيد في تكوينه ، والعقد اللاشعورية تدفع أحيانًا إلى الجريمة . ولكن الإنسان مع ذلك ليس كائنًا سلبيًا بحتًا بإزاء الظروف . إن عيب المحللين النفسين أنهم - بطبيعة عملهم - ينظرون إلى الطاقة المحركة في الإنسان - إلى"الدينامو"- ولا ينظرون إلى الطاقة الضابطة - إلى الفرامل - مع انها جزء أصيل من كيان النفس البشرية غير مفروض عليها من الخارج . إن الطاقة التي تجعل الطفل يضبط إفرازاته فلا يتبول في فراشه بعد سن معينة - حتى ولو لم يدربه أحد - لهي ذاتها - أو شبيهة بها - الطاقة التي تضبط انفعالاته وتصرفاته فلا ينساق دائمًا وراء الشهوة الجامحة أو وراء النزوة الطارئة .
ومن جانب آخر فإن الظروف الاقتصادية ذات أثر في تكوين مشاعر الأفراد وأعمالهم. والجوع يدفع إلى الجريمة كما يدفع إلى السقوط الخلقي ، بما يفكك من كيان النفس وما ينمي فيها من الأحقاد . ولكن القول بأن العامل الاقتصادي هو الوحيد الذي يؤثر في سلوك البشر قول مبالغ فيه تكذبه وقائع الحياة ، ويكذبه قيام الجرائم في الاتحاد السوفييتي ذاته الذي يقول دعاته إنه قضى على الفقر والجوع .
بقي أن نسأل: ما مدى مسئولية المجرم إذن عن جريمته ، لكي نوقع - أو لا نوقع - عليه العقوبات ؟
ومن هذا الجانب يأخذ الإسلام مسألة الجريمة والعقاب .
إنه لا يقرر العقوبات جزافًا ، ولا ينفذها كذلك بلا حساب . وله في ذلك نظرة ينفرد بها بين كل نظم الأرض ، نظرة تلتقي حينًا برأي الدول الفردية ، وحينًا برأي الدولة الجماعية ، ولكنها تمسك بميزان العدالة من منتصفه ، وتحيط بالظروف والملابسات كلها في وقت واحد ، وتنظر إلى الجريمة في آن واحد بعين الفرد الذي ارتكبها ، وعين المجتمع الذي وقعت عليه ، ثم تقرر الجزاء العادل الذي لا يميل مع النظريات المنحرفة ولا شهوات الأمم والأفراد .
يقرر الإسلام عقوبات رادعة قد تبدو قاسية فظة لمن يأخذها أخذًا سطحيًا بلا تمعن ولا تفكير ، ولكنه لا يطبقها أبدًا حتى يضمن أولًا أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مبرر ولا شبهة اضطرار .
فهو يقرر قطع يد السارق ، ولكنه لا يقطعها أبدًا وهناك شبهة بأن السرقة نشأت من الجوع .
وهو يقرر رجم الزاني والزانية ، ولكنه لا يرجمهما إلا أن يكونا محصنين ، وإلا أن يشهد عليهما أربعة شهود بالرؤية القاطعة . أي حين يتبجحان بالدعارة حتى ليراهما كل هؤلاء الشهود ، وهما متزوجان .
وهكذا وهكذا في جميع العقوبات التي قررها الإسلام .
ونحن نأخذ هذا من مبدأ صريح قرره عمر بن الخطاب ، وهو من أبرز الفقهاء في الإسلام ، وهو فوق ذلك رجل شديد التزمت في تنفيذ الشريعة ، فلا يمكن اتهامه بالبحبحة في التطبيق .
وعمر لم ينفذ حد السرقة في عام الرمادة ، عام الجوع ، حيث كانت الشبهة قائمة في اضطرار الناس للسرقة بسبب الجوع .
والحادثة التالية أبلغ في الدلالة وأصرح في تقرير المبدأ الذي نشير إليه:
"روى أن غلمانًا لابن حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة ، فأتى بهم عمر ، فأقروا ، فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم . فلما ولى رده ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه لحل له ، لقطعت أيديهم . ثم وجه القول لابن حاطب بن أبي بلتعة فقال: وأيم الله إذ لم أفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك ! ثم قال يا مزني ، بكم أريدت منك ناقتك ؟ قال: بأربعمائة قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة"
فهنا مبدأ صريح لا يحتمل التأويل ، هو أن قيام ظروف تدفع إلى الجريمة يمنع تطبيق الحدود ، عملًا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"ادرأوا الحدود بالشبهات" ( ) .
فإذا استعرضنا سياسة الإسلام في جميع العقوبات التي قررها ، وجدنا أنه يلجأ أولًا إلى وقاية المجتمع من الأسباب التي تؤدي إلى الجريمة ، وبعد ذلك لا قبله يقرر عقوبته الرادعة وهو مطمئن إلى عدالة هذه العقوبة ، بالنسبة لشخص لا يدفعه إلى جريمته مبرر معقول . فإذا عجز المجتمع لسبب من الأسباب عن منع مبررات الجريمة ، أو قامت الشبهة عليها في صورة من الصور ، فهنا يسقط الحد بسبب هذه الظروف المخففة ، ويلجأ ولى الأمر إلى إطلاق سراح المجرم أو توقيع عقوبات التعزير - كالضرب والحبس - بحسب درجة الاضطرار أو درجة المسئولية عن الجريمة .