فنقول لهم: نعم ! والإسلام كذلك - ومن قبل الشيوعية بألف وثلاثمائة عام - يجعل من مبادئه تقريب الفوارق بين الناس ، وتحريم الترف والقضاء على الحرمان ! ولكنه لا يكل هذا إلى التشريعات القانونية وحدها ، إنما يكله كذلك إلى عقيدة الناس في الله وحبهم للخير ، بجانب القوانين والتشريعات . ( محمد قطب )
"والله فضل بعضكم على بعض في الرزق .." ( )
"ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات .." ( )
أليس هذا واردًا في القرآن أيها المسلمون ؟ فكيف تزعمون بعد هذا
أن الإسلام لايعترف بنظام الطبقات ؟
نحتاج أولًا أن نعرف ما هو نظام الطبقات ، لنعرف إن كان الإسلام يبيحه أم لا يبيحه.
فإذا استعرضنا تاريخ أوربا في العصور الوسطى مثلًا وجدنا طبقات النبلاء أو الأشراف ، ورجال الدين ، والشعب ، طبقات متميزة محدَّدة المعالم يختلف بعضها عن بعض ، بحيث لا يخطئ الإنسان معرفتها بمجرد النظر .
فرجال الدين لهم ثيابهم الخاصة التي تميزهم . وكان لهم في تلك العصور سطوة كبرى ، فكان البابا سلطة مناوئة للملوك والأباطرة ، يريد أن يزعم أنه هو الذي يمنحهم السلطان على الشعوب ، ويريدون هم أن ينسلخوا من سلطته ويستقلوا بأنفسهم . وكانت لهم كذلك أموال طائلة من الأوقاف التي وقفها عليهم المتدينون ، ومن الإتاوات التي يفرضونها هم على الناس . بل كانت للكنيسة جيوش كاملة في بعض الأحيان .
أما الأشراف فكانوا طبقة تتوارث الشرف بعضها عن بعض . بحيث يولد الطفل فإذا هو شريف منذ مولده ، ويظل شريفًا حتى يموت ، بصرف النظر عن الأعمال التي يقوم بها في حياته ، وقر بها أو بعدها من هذا الشرف المزعوم !
ما امتيازاتهم فكانت في عهد الإقطاع سلطانًا مطلقًا على"الشعب"الموجود في الإقطاعية . كانوا هم السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية ، وكانت أهواؤهم ونزواتهم هي القانون الذي ينفذ على الشعب . وكانت تتكون منهم المجالس النيابية التي تشرع للبلاد ، فكانت تشريعاتهم بطبيعة الحال تهدف إلى حمايتهم والاحتفاظ لهم بامتيازاتهم وإضفاء صفة القداسة عليها .
أما الشعب فهو ذلك الهمل الذي لاحقوق له ولا امتيازات ، وإنما عليه الواجبات كل الواجبات . وكان يتوارث الذل والفقر والعبودية جيلًا بعد جيل .
ثم حدثت تطورات اقتصادية هامة في أوربا أنشأت طبقة جديدة تنازع الأشراف امتيازاتهم ومكانتهم ، هي الطبقة البرجوازية . وبقيادة هذه الطبقة وعلى أكتاف الشعب ، قامت الثورة الفرنسية التي ألغت ـ في الظاهر ـ نظام الطبقات ، وأعلنت ـ نظريًا ـ مبادئ الحرية والإخاء والمساواة .
وفي العصر الحديث قامت هذه الطبقة الرأسمالية مقام طبقة الأشراف القديمة ولكن من وراء ستار ، ومع بعض التعديلات التي اقتضاها التطور الاقتصادي . ولكن الجوهر لم يتغير ، فهي طبقة تملك المال والسلطان والقوة التي تسير بها دفة الحكم . وعلى الرغم من مظاهر الحرية التي تتمثل في الانتخابات"الديمقراطية"فإن الرأسمالية تعرف طريقها إلى البرلمانات ودواوين الحكومات ، وتنفذ بوسائلها الملتوية ما تريد تنفيذه تحت مختلف العنوانات .
بل ما يزال في إنجلترا ـ أم الديمقراطية كما كان يقال لنا ـ مجلس يسمى بصفة رسمية"مجلس اللوردات". وما زال فيها قانون إقطاعي يقضي بأن يحرم جميع الأبناء والبنات من الميراث فيما عدا الابن الأكبر ، منعًا لتفتيت الثروة ، أي محافظة على ثروات"الأسر"لكي تبقى قائمة لا تزول ، ويظل لها كيانها الموروث كما كانت طبقة الإقطاعيين في العصور الوسطى .
هذا هو نظام الطبقات ، يتلخص في حقيقة أساسية هي أن الطبقة التي تملك المال تملك السلطان . تملك وسائل التشريع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، فتشرع لحماية نفسها ، ولإبقاء الشعب خاضعًا لسلطانها ، محرومًا من كثير من حقوقه إرضاء لشهوات الطبقة الحاكمة .
فإذا أدركنا ذلك فهمنا على الفور أنه لا يوجد نظام طبقات في الإسلام . فليست هناك أولًا مزايا تؤخذ بالميراث كما كان الحال في طبقة الأشراف في أوربا . ونخرج من حسابنا بطبيعة الحال وراثة العرش بغير بيعة حرة وقيام"طبقة"من الأمراء والنبلاء فذلك كله ليس بإسلام . ووجوده في الإسلام لا يزيد على وجود مسلمين يشربون الخمر أو يلعبون الميسر أو يتعاملون بالربا . ومع ذلك لا يمكن أن يزعم أحد أن الإسلام أباح الخمر والميسر والربا في يوم من الأيام .