فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 4557

ونضرب هنا مثلًا ثالثًا من غير العالم الإسلامي ، هو دول الشمال في أوربا . فقد شهد الإنجليز والأمريكان والفرنسيون - وهم أكثر شعوب الأرض تبجحًا بالتميز العنصري والقومي - أنها أرقى دول العالم وأكثرها توازنًا ومودة . وهي مع ذلك لم تلغ الملكية الفردية . وكل ما صنعته هو ضمان توزيع الثروة توزيعًا عادلًا يقرب الفجوة بين طبقات الشعب ، ويعادل بقدر الإمكان بين ميزان الجهد والجزاء . فهي في هذا الشأن أكثر دول العالم تحقيقًا لجانب من فكرة الإسلام .

ثم إنه لا يمكن الفصل بين نظام اقتصادي وبين الفلسفة الفكرية والاجتماعية التي تقوم وراءه . فإذا استعرضنا النظم الثلاثة التي يدعو لها الدعاة اليوم ، وهي الرأسمالية والشيوعية والإسلام ، وجدنا نظمها الاقتصادية وفكرة الملكية فيها مرتبطة ارتباطا وثيقًا بفكرتها الاجتماعية . فالرأسمالية - كما قلنا من قبل - تقوم على أساس أن الفرد كائن مقدس لا يجوز للمجتمع أن يحجر على حريته ، ومن ثم تباح هناك الملكية الفردية بلا حدود . ( ) والشيوعية تقوم على أساس أن المجتمع هو الأصل ، والفرد لا كيان له بمفرده ، فهي تضع الملكية في يد الدولة ممثلة المجتمع ، وتحرم منها الأفراد .

أما الإسلام فله فكرة أخرى ، ومن ثم فله اقتصاد آخر .

فأما فكرة الإسلام عن الفرد والجماعة فهي ترى أن الفرد كائن ذو صفتين في وقت واحد: صفته كفرد مستقل ، وصفته كعضو في جماعة . وأنه يستجيب أحيانًا لهذه الصفة أو تلك بصورة بارزة ، ولكنه في النهاية مشتمل عليهما معًا ومستجيب لهما معًا .

وأما فكرته الاجتماعية المستمدة من تلك الفكرة ، فهي لا تفصل بين الفرد والجماعة ، ولا تضعهما في موضع التقابل كمعسكرين متصارعين يحاول أحدهما أن يغتال الأخر . وما دام كل فرد في ذات الوقت فردًا مستقلًا وعضوًا في جماعة ، فإن التشريع الذي يتمشى مع الفطرة يوازن بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية ، ويوازن بين مصالح كل فرد وغيره من الأفراد الذين يتكون منهم المجتمع ، دون أن يفني إحدى النزعتين لحساب الأخرى ، ودون أن يسحق الفرد لحساب المجتمع أو يفكك المجتمع لحساب فرد أو أفراد ..

ومن ثم فاقتصادياته تمثل هذه النظرة المتوازنة ، التي تقع بين الرأسمالية والشيوعية ، وتحقق أفضل ما في النظامين دون أن تقع في انحرافاتهما . فهي تبيح الملكية الفردية من حيث المبدأ . ولكنها تضع لها الحدود التي تمنع بها الضرر . وتبيح للمجتمع - أو ولي الأمر ممثل المجتمع - أن ينظم هذه الملكية أو يعدلها كما ظهر له أن ذلك يحقق مصلحة للمجموع .

لذلك لا يضيق الإسلام بالملكية الفردية ما دام يملك أن يزيل بشتى الوسائل ما قد ينتج عنها من أضرار . وإن إبقاء الملكية من حيث المبدأ مع تقرير حق الجماعة في تنظيمها وتقييدها ، خير في معاملة النفوس من إلغائها بتاتًا ، على أساس غير صحيح: وهو أن الملكية ليست نزعة فطرية ولا ضرورة بشرية . وإن اضطرار روسيا أخيرًا إلى إباحة ألوان من الملكية في حدود معينة لبرهان قوي على أن من الخير الاستجابة إلى الفطرة البشرية: خير للفرد وللمجموع على السواء .

على أننا نعود فنسأل: لماذا نلغي الملكية الفردية ؟ ولأي هدف نطالب الإسلام بإلغائها؟

تقول الشيوعية إن إلغاءها هو السبيل الوحيد للتسوية بين البشر ، وإبطال النزعة إلى السيطرة والسلطان . وقد ألغت روسيا ملكية وسائل الإنتاج .. فهل وصلت إلى الهدف الذي تنشده من وراء ذلك ؟

ألم تضطر روسيا على يد ستالين إلى إباحة العمل بعد الوحدة الإجبارية الأولى لمن يجد في نفسه وفرة من النشاط والجهد مقابل أجور إضافية ، فنشأ بذلك تفاوت في الأجور بين العمال أنفسهم ؟

ثم هل تتساوى أجور الناس جميعًا في الإتحاد السوفييتي ؟ هل يأخد المهندس أجرًا كالعامل ؟ وهل يأخذ الطبيب أجرًا كالممرض ؟ إن دعاة الشيوعية أنفسهم ليعلنون أن أعلى أجر في روسيا هو أجر المهندس ، وأن الفنانين هم أكثر الناس دخلًا هناك . فيعترفون بتفاوت الأجور بين طوائف الشعب الروسي ، فضلًا عن تفاوت الطبقة الواحدة كما حدث بين العمال .

وأخيرًا هل بطلت النزعة إلى السيطرة والرغبة في التمييز عن الآخرين ؟ فكيف إذن يختار رؤساء النقابات ورؤساء المصانع ورؤساء الإدارات والقوميسيرات ؟ وكيف يميز بين العضو النشيط وغير النشيط في الحزب الشيوعي الذي يحكم روسيا ؟

أوَ ليس إذن في بنية الإنسانية هذا النزوع إلى السيطرة والتميز بصرف النظر عن إبقاء الملكية الفردية أو إلغائها ؟

فإذا كان إلغاء الملكية لم يخلص البشرية مما تعتبره الشيوعية شرًا مستطيرًا لا يجوز السكوت عليه ، فما الذي يدفعنا يا ترى إلى مصادمة الفطرة والتضييق عليها في سبيل هدف يأبى أن يتحقق من أي سبيل ؟

أم يقولون إن الفوارق في روسيا بين طائفة وطائفة ، أو بين فرد وفرد ، فوارق قريبة لا تصل إلى حد الترف من جانب والحرمان من جانب ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت