بصرف النظر عن هذا وذاك .. فإن الإسلام لا يسلم بأن الملكية الفردية في ذاتها هي منشأ الظلم الذي حل بالبشرية .
وإنما نشأ الظلم الذي صاحب الملكية في أوربا أو في غير العالم الإسلامي عامة من أن"الطبقة"المالكة هناك هي التي تشرع وتحكم . فكان من الطبيعي أن تحكم لصالح نفسها ، وأن تضع التشريعات التي تحمي مصالحها وتجور على مصالح الآخرين . أما في الإسلام فلا يوجد طبقة حاكمة ، والقانون ليس من صنع طبقة معينة من طبقات الشعب ، وإنما هو من صنع الله خالق الجميع . والناس سواسية في عرف الإسلام لا يتفاضلون فيما بينهم إلا بالتقوى ، ولكنهم لا يتفاضلون أمام التشريع الذي يطبق بصورة واحدة على الجميع . ( ) والحاكم في الإسلام رجل ينتخب انتخابًا حرًا من الأمة المسلمة ، فليست له مزية"طبقية"ترشحه للحكم. ثم هو بعد ولايته للأمر لا يملك إلا تنفيذ الشريعة التي لم يضعها هو وإنما وضعها الله . وسلطته على المحكومين مستمدة من قيامه بتنفيذ الشريعة لا أكثر . يقول أبو بكر الخليفة الأول:"أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم". فليس لشخصه مزية قانونية يمنح بها نفسه أو غيره امتيازًا في التشريع . ومن ثم فهو لا يملك أن يميز طبقة من الشعب على طبقة ، ولا أن يخضع للنفوذ السياسي للملاك ، فبضع لهم تشريعات تحمي مصالحهم بالجور على مصالح غير الملاك . ونحن هنا نتحدث عن الفترة التي طبق فيه الإسلام على حقيقته ، ولا ننظر إلى الفساد الذي دخل عليه بعد تحوه إلى ملك عضوض . لأن ذلك ليس إسلامًا ، ولا يمكن أن يكون الإسلام مسئولًا عنه . وقصر الفترة التي طبق فيها الإسلام بكل عدالته ومثاليته لا تعني أنه نظام خيالي غير قابل للتطبيق في الواقع ، فالذي حدث مرة يمكن أن يحدث مرة أخرى . والناس مطالبون باستعادة تلك الفترة . وهي اليوم أقرب إلى التحقيق مما كانت على أيدي أجدادهم فيما مضى من التاريخ ( ) .
في النظام الإسلامي إذن لا يشرع الملاك لأنفسهم ، وإنما يخضعون كغيرهم لشريعة عامة تسوي بين الجميع في الحقوق الإنسانية والكرامة البشرية . فأما حين يحدث اختلاف في تفسير نص من النصوص - كما يحدث في كل قانون على وجه الأرض - فالفقهاء هم أصحاب الرأي فيه ( ) . ويشهد التاريخ أن فقهاء الإسلام الكبار لم يشرعوا لطبقة الملاك على حساب الكادحين ، وإنما كانوا دائمًا أقرب إلى توفية حقوق هؤلاء الكادحين ، وتحقيق مطالبهم الأساسية . والمثال الذي ذكرناه في الفصل السابق - والذي يجعل العامل شريكًا بالنصف مع صاحب العمل - صريح فيما نقصد إليه .
والإسلام لا يسوء ظنه بالطبيعة البشرية إلى الحد الذي يسلم فيه بأن الملكية دائمًا تعني الظلم والاستبداد . وقد بلغ في تربيته للنفس الإنسانية حدًا رفيعًا جعل بعض الناس يملكون ومع ذلك"لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" ( ) فيشركون معهم غيرهم في كل ما يملكونه دون ثمن ولا مقابل ، ولا انتظار لشيء إلا رجاء عفو الله ومثوبته .
وهذه الأمثلة النبيلة - على ندرتها - لا يجوز إسقاطها من الحساب لأنها قبس النور الذي يشير إلى المستقبل ، والذي يبشر بما يمكن أن تصل إليه الإنسانية في يوم من الأيام . وإن كان الإسلام - مع ذلك - لا يغرق في الأحلام ، ولا يرع مصالح الأمة رهنًا بالنوايا الطيبة التي قد توجد أو لا توجد ، وإنما هو مع عنايته البالغة بتهذيب النفوس وتطهيرها يؤمن بالواقع العملي ، ويضع التشريعات الكفيلة بتوزيع الثروة توزيعًا عادلًا فيضمن الأمر من جانبيه ، مصدقًا لقول عثمان:"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
وقد وجدت الملكية فعلًا في التاريخ ولم يصحبها الظلم .
وقد ضربنا في الفصلين السابقين مثالين من تاريخ الإسلام ، أحدهما عن الملكية الزراعية ، ورأينا أنها لم تؤد في العالم الإسلامي إلى الإقطاع الذي أدت إليه في أوربا ، لوجود التشريعات الاقتصادية والاجتماعية التي منعت الإقطاع ، وكفلت لغير المالكين حياة كريمة تجعلهم بمنأى عن الخضوع لاستغلال المالكين .
والآخر عن الملكية الرأسمالية . وقد رأينا فيه أن الإسلام - على فرض نشوء الرأسمالية في ربوعه - كان سيبيح منها القدر الذي يغلب فيه الخير ، وكان سيقف دون الطغيان والاستغلال بكل ما لديه من وسائل التشريع والتهذيب ، فلا تؤدي الملكية إلى نتائجها السيئة التي يعانيها الغرب الرأسمالي اليوم . ثم أنه كذلك لم يبح الملكية على إطلاقها ، فقد نص على أن الموارد العامة ملك مشترك للجميع . فحرم الملكية الفردية حيثما كانت العدالة تقتضي تحريمها ، وأباحها حيث أمن الظلم واستذلال بشر لبشر .