فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 4557

و من الأمثلة القديمة التي تضرب لتقريب هذا الرأي أن الديكة تصيح قبل طلوع الشم أبدًا و ليست هي علة طلوعها , و أن جرس القطار يدق قبل وصوله و ليس هو سبب الوصول , و أن ضوء القذيفة يرى عند انفجارها قبل سماع صوتها و لا علاقة بين سبب الرؤية وسبب السماع . و أيًا كان الرأي في السببية عن علماء العصر الحديث فالقول الفصل الذي لا شكّ فيها أن قوانين الطبيعة لم تحصر جميع عواملها , و أن الحصر الذي وصلنا إليه قد يعين على تقدير الحوادث المترتبة عليها بالإجمال , و لا يعتمد عليه في تقدير حادثة واحدة بغير الظن و التقريب .

فإذا نظرنا إلى التقدير العلمي فالباب مفتوح في الكون للعوامل التي لا تحصرها ضوابط القوانين و النواميس . و إذا نظرنا إلى التقدير الديني فالله تعالى فعّال لما يريد و الخلق (( عملية مستمرة ) )و ليس بالعملية الآلية التي فرغت منها العناية الإلهية , و تركتها هملًا بغير تبديل . و سنة الله لا تبديل لها حقًا و لكننا لا نعلم من سنة الله إلا ما نهتدي إليه بعقولنا و هداية الله . و قد تكون سنة الله في نصيب الإنسان موقوفة على تربية نفسية تحققها الصلاة , و قد تكون هذه التربية النفسية سببًاَ مشروطًا للسنة الإلهية لا يجوز للمؤمن تعطيله , أو لا يجوز له أن يدعي القضاء فيه باسم الإله .

و الطالب الأديب يرى للمسألة وجهين لا ثالث لهما من وجوه البحث في فائدة الصلاة . فإما أن يكون الطلب موافقًا للإرادة الإلهية فهو محقق بغير طلب , و إما أن يكون مخالفًا للإرادة الإلهية فلا معنى لطلبه , لأن الله يتنزه عن تغيير إرادته كما يغير الحاكم قضاءه بالملق و الاستعطاف .

و لكن مسألة الصلاة لا تنحصر في وجه من هذين الوجهين , لأننا يجب أن نذكر - أولًا و آخرًا - أن إرادة الله متمثلة في طبيعة الإنسان و أن من طبيعة الإنسان أن تطلب الغوث عند الحاجة إليه , و أن طلبه من غير الله عبث مع الإيمان بوجود الإله القادر على كل شيء , فإذا اندفعت طبيعة الإنسان إلى طلب الغوث من الله فمن أين له إذا قمع من هذه الطبيعة أنه لا يخالف إرادة الله و من أين له الاستجابة و هي كل ما يرجى من الدعاء ؟ من أين له أن الدعاء نفسه ليس هو سبيل الاتصال بالله من جانب الإنسان , لأنه في ذاته عمل من أعمال النفس التي تدل على سجية من سجاياه و إن لم يكن لها جواب .

و نعود إلى رأي الرياضي الكبير اوليفر لودج لأن الرياضيين من أقدر الناس على فرض الفروض التي تحل المجهولات , فتقول: لماذا نحسب الصلاة خارقة للنواميس الكونية و هي ظاهرة كونية كسائر الظواهر التي تحدث كل يوم في هذا الكون ؟

و ليكن الطالب الأديب على يقين أن سؤاله عن نفع الصلاة لا يمتنع في الدين الإسلامي بل يجب عليه وجوب التفكير ووجوب سؤال أهل الذكر , و كلاهما فريضة من فرائض الإسلام , و لكن لمسألة الصلاة - كما قلنا - وجهًا آخر لا ضير من السؤال عنه إذا كان السؤال عنه هو جوابه المريح: ألا يجوز للإنسان أن يكشف عن ذات نفسه أمام الله إلا أن يعلق هذه المكاشفة مقدمًا بالجواب ؟

الأستاذ عباس محمود العقاد

كتاب ما يقال عن الإسلام

ص 219-224

المصدر: وزارة الأوقاف المصرية

الرد على الشبهة:-

1 ـ الإسلام دين يحب الجمال ويدعو إليه في كل شىء. والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: [ إن الله جميل يحب الجمال ] (1) . والفن هو في حقيقته إبداع جمالى لا يعاديه الإسلام. وغاية ما في الأمر أن الإسلام يجعل الأولوية للمبدأ الأخلاقى على المبدأ الجمالى ، بمعنى أنه يجعل الثانى مترتبًا على الأول ومرتبطًا به. وهذا هو الموقف المبدئى للإسلام إزاء جميع أشكال الفنون. وهناك معيار إسلامى للحكم على أى فن من الفنون يتمثل في قاعدة تقول: حَسَنُه حسن وقبيحه قبيح. والقرآن الكريم في العديد من آياته يلفت الأنظار إلى ما في الكون من تناسق وإبداع وإتقان ، وما يتضمنه ذلك من جمال وبهجة وسرور للناظرين (2) . ومن هنا لا يعقل أن يرفض الإسلام الفن إذا كان جميلًا.

أما إذا اشتمل على القبح بما يعنيه ذلك من قبح مادى ومعنوى فإن الإسلام يرفضه ولا يوافق عليه.

2 ـ وترتيبًا على ما تقدم فإن الفن إذا كان هدفه المتعة الذهنية ، وترقيق الشعور ، وتهذيب الأحاسيس، فلا اعتراض عليه. ولكن إذا خرج عن ذلك وخاطب الغرائز الدنيا في الإنسان ، وخرج عن أن يكون فنًّا هادفًا فإنه حينئذ لا يساعد على بناء الحياة ، بل يعمل على هدمها ، وبذلك يخرج عن أن يكون فنًّا ، بل يصير نوعًا من اللهو المذموم والعبث المرفوض. وهذا أمر لا يقره الإسلام.

3 ـ إذا كانت الموسيقى والغناء تحمل إلينا ألحانًا جميلة وكلمات مهذبة وأنغامًا راقية ، وأصواتًا جميلة ، فذلك لا يرفضه الإسلام طالما كان في إطار المبدأ الأخلاقى ، أى طالما كان هدف الفن هو السمو بالإنسان وبأحاسيسه ووجدانه ومشاعره. وقد امتدح النبى صلى الله عليه وسلم صوت أبى موسى الأشعرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت