فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 4557

ولكنهم أحيانًا - لخبثهم ولتمرسهم بالحيل الماكرة ولملابسات العصر الحديث - قد لا يثنون ثناء مكشوفًا على الباطل وأهله . بل يكتفون بتشويه الحق وأهله . ليعينوا الباطل على هدمه وسحقه . ذلك أن ثناءهم المكشوف - في هذا الزمان - أصبح متهمًا ، وقد يثير الشبهات حول حلفائهم المستورين ، الذين يعملون لحسابهم ، في سحق الحركات الإسلامية في كل مكان . .

بل لقد يبلغ بهم المكر والحذق أحيانًا ، أن يتظاهروا بعداوة وحرب حلفائهم ، الذين يسحقون لهم الحق وأهله . ويتظاهروا كذلك بمعركة كاذبة جوفاء من الكلام . ليبعدوا الشبهة تمامًا عن أخلص حلفائهم ، الذين يحققون لهم أهدافهم البعيدة!

ولكنهم لا يكفون أبدًا عن تشويه الإسلام وأهله . . لأن حقدهم على الإسلام ، وعلى كل شبح من بعيد لأي بعث إسلامي ، أضخم من أن يداروه .

إن قوم نوح - عليه السلام - هؤلاء الذين شهدنا مدى جاهليتهم , ومدى إصرارهم على باطلهم , ومدى استنكارهم لدعوة الإسلام الخالص التي حملها نوح - عليه السلام - إليهم , وخلاصتها:التوحيد الخالص الذي يفرد الله - سبحانه - بالدينونة والعبودية ; ولا يجعل لأحد معه صفة الربوبية . .

إن قوم نوح هؤلاء . . هم ذرية آدم . . وآدم - كما نعلم من قصته في سورة الأعراف من قبل - وفي سورة البقرة كذلك - قد هبط إلى الأرض ليقوم بمهمة الخلافة فيها - وهي المهمة التي خلقه الله لها وزوده بالكفايات والاستعدادات اللازمه لها - بعد أن علمه ربه كيف يتوب من الزلة التي زلها , وكيف تلقى من ربه كلمات فتاب عليه بها . وكيف أخذ عليه ربه العهد والميثاق - هو وزوجه وبنوه - أن (يتبع) ما يأتيه من هدى الله , ولا يتبع الشيطان وهو عدوه وعدو بنيه إلى يوم الدين .

وإذن فقد هبط آدم إلى الأرض مسلما لله متبعا هداه . . وما من شك أنه علم بنيه الإسلام جيلا بعد جيل ; وأن الإسلام كان هو أول عقيدة عرفتها البشرية في الأرض ; حيث لم تكن معها عقيدة أخرى ! فإذا نحن رأينا قوم نوح - وهم من ذرية آدم بعد أجيال لا يعلم عددها إلا الله - قد صاروا إلى هذه الجاهلية - التي وصفتها القصة في هذه السورة - فلنا أن نجزم أن هذه الجاهلية طارئة على البشرية بوثنيتها وأساطيرها وخرافاتها وأصنامها وتصوراتها وتقاليدها جميعا . وأنها انحرفت عن الإسلام إليها بفعل الشيطان المسلط على بني آدم ; وبفعل الثغرات الطبيعية في النفس البشرية . تلك الثغرات التي ينفذ منها عدو الله وعدو الناس , كلما تراخوا عن الاستمساك بهدى الله , واتباعه وحده , وعدم اتباع غيره معه في كبيرة ولا صغيرة . . ولقد خلق الله الإنسان ومنحه قدرا من الاختيار - هو مناط الابتلاء - وبهذا القدر يملك أن يستمسك بهدي الله وحده فلا يكون لعدوه من سلطان عليه , كما يملك أن ينحرف - ولو قيد شعرة - عن هدى الله إلى تعاليم غيره ; فيجتاله الشيطان حتى يقذف به - بعد أشواط - إلى مثل تلك الجاهلية الكالحة التي انتهت إليها ذراري آدم - النبي المسلم - بعد تلك الأجيال التي لا يعلمها إلا الله .

وهذه الحقيقة . . حقيقة أن أول عقيدة عرفت في الأرض هي الإسلام القائم على توحيد الدينونة والربوبية والقوامة لله وحده . . تقودنا إلى رفض كل ما يخبط فيه من يسمونهم"علماء الأديان المقارنة"وغيرهم من التطوريين الذين يتحدثون عن التوحيد بوصفه طورا متأخرا من أطوار العقيدة . سبقته أطوار شتى من التعدد والتثنية للآلهة . ومن تأليه القوى الطبيعية وتأليه الأرواح , وتأليه الشموس والكواكب . . إلى آخر ما تخبط فيه هذه"البحوث"التي تقوم ابتداء على منهج موجه بعوامل تاريخية ونفسية وسياسية معينة ; يهدف إلى تحطيم قاعدة الأديان السماوية والوحي الإلهي والرسالات من عند الله وإثبات أن الأديان من صنع البشر ; وأنها من ثم تطورت بتطور الفكر البشري على مدار الزمان !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت