فهرس الكتاب

الصفحة 977 من 4557

ولما كان قطع يد السارق يفضحه ويسمه بسمة السرقة ويطلع الناس على ما كان منه . فقد أقام الإسلام حراسة على من يتهم بالسرقة ، فلا تقطع يده مع وجود شبهة في أنه سرق كما لا تقطع يده في الشىء المسروق إذا كان تافهًا لا يعتد به ، أو كان في غير حرز بل إن السارق في تلك الحالة يعزر بالضرب أو الحبس ، ولا تقطع يده .

ومن تلك الضوابط التى وضعتها الشريعة لإقامة حد القطع على السارق:

أولًا: أن يكون المسروق شيئًا ذا قيمة أى أن له اعتبارًا اقتصاديًا في حياة الناس . عن السيدة عائشة ـ رضى الله عنها ـ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ تقطع اليد ـ أى يد السارق ـ بربع دينار فصاعدًا ] (1) .

ثانيًا: أن يكون المسروق محروزًا ، أى محفوظًا في حرز .

ثالثًا: أن ما أخذ للأكل بالفم من التمر فهذا لا قطع فيه ولا تعزير .

رابعًا: السرقة في أوقات المجاعات لا قطع فيها ولذلك أبطل عمر ـ رضى الله عنه ـ القطع في عام الرمادة حينما عمت المجاعة .

خامسًا: العبد إذا سرق شيئا ينظر هل سيده يطعمه أم لا ؟ فإن كان لا ، غرم سيده ضعف ثمن المسروق كما فعل سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ في غلمان ابن حاطب بن أبى بلتعة حينما سرقوا ناقة رجل من مزينة فقد أمر بقطعهم ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم درأ عنهم الحد وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديبًا له .

والقاعدة أن الحدود تُدْرَأ بالشبهات .

وهكذا ينبغى أن تفهم حدود الإسلام في ظل نظامه المتكامل الذى يتخذ أسباب الوقاية قبل أن يتخذ أسباب العقوبة .

فالحدود تمنع من وقوع الجريمة ولذلك نرى على مر التاريخ الإسلامى وعلى مساحة واسعة من بلاد المسلمين أن حد السرقة لم يطبق إلا في أضيق الحدود وبعدد محدود جدًا لا يتجاوز العشرات مع كل هذه الملايين من البشر حيث استقر في وجدان المسلمين أن السرقة جريمة من الجرائم السيئة التى تهدد الأمن الاجتماعى والمجتمع في ذاته بحيث تستحق مثل هذه العقوبة البدنية التى تشبه عقوبة الإعدام ، وعلى قدر عظم الذنب والجرم يكون عظم العقاب .

وبعض المعاصرين ينطلقون من نموذج معرفى آخر يقدم بدن الإنسان في ذاته بغض النظر عن أفعاله وجرائمه . وقد خفى عليهم كل هدى سليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .

(1) رواه أبو داود.

الشبهة: ... ...

أساسها: ... ...

مصدرها: ... ...

الرد على الشبهة:

إن جريمة الزنا لهى من أقذر الجرائم حتى أنكرها كل دين ، بل وأنكرها العقلاء والراشدون من الناس ، كما أنكرها أصحاب المدنية الغربية جهرًا وإن قبلوها سرًا وذلك لما فيها من عدوان على حقوق الأزواج ومن اختلاط للأنساب وحل لروابط الأسرة وقتل لما في قلوب الآباء من عطف وحنان على الأبناء ، ورعاية وبذلٍ سخى لهم بما يبلغ حد التضحية بالراحة والنفس ، الأمر الذى لا يكون إلا إذا ملأت عاطفة الأبوة قلوب الآباء وذلك لا يكون إلا إذا وقع في قلوب الآباء وقوعًا محققًا أن هؤلاء الأبناء من أصلابهم .

ثم لعلك لا تعجب لما تقرأ من الأخبار الواردة إلينا من أمريكا وأوروبا عن آباء قتلوا أولادهم بأيديهم وأتوا على الأسرة كلها في لحظة واحدة دون أن ينبض فيهم شعور بالتردد قبل الجريمة أو الندم بعدها ، وذلك شفاء لما في نفوسهم من شكوك في صحة نسب هؤلاء الأبناء إليهم حتى لقد تحولت هذه الشكوك إلى عواصف من الجنون الذى أفقد هؤلاء الآباء كل شعور إنسانى نحو الأبناء المشكوك في نسبهم ، وهيهات أن يخلو شعور أوروبى من الشك في نسبة أبنائه إليه مع هذه الإباحية المطلقة للجمع بين النساء والرجال في أى مكان وأى زمان .

فإن أراد الإسلام أن يحارب هذه الجريمة برصد هذه العقوبة الرادعة ـ الرجم للمحصن ، والجلد لغير المحصن ـ كان ذلك عند أعداء الإسلام تهمة شنيعة يرمونه بها ويحاكمونه عليها ليخرجوه من حدود الإنسانية المتحضرة إلى عالم سكان الأدغال ورعاة الإبل والشياه في الصحارى . ويقولون: كيف يحكم الإسلام بإهدار آدمية الإنسان حتى يأمر بجلده على مرائى ومسامع من الناس ؟ ثم كيف تصل الوحشية في قسوتها إلى أن يُلقى بالإنسان في حفرة ثم تتناوله الأيدى رجمًا بالحجارة إلى أن يموت .

هكذا يقولون ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا ) (1) .

ولا ننكر أن في شريعة الإسلام حكم الجلد والرجم يقول الله تعالى: ( الزانية والزانى فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) (2) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ] (3) .

والنظام الإسلامى كل متكامل لا تفهم جزئياته إلا في نسق واحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت