فهرس الكتاب

الصفحة 755 من 4557

أولًا: إننا لا نبتدع في الناس أمرًا لا عهد لهم به من قبل، بل نردهم إلى ما درجوا عليه وعاشوا في ظله ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، ولم يتوقف إلا على يد الاستعمار الكالح الذي وطئت خيله الأزهر على يد نابليون، وقتل الأبرياء في دنشواي على يد كرومر، ومكن لليهود في فلسطين على يد بلفور، وفعل بأمتنا الأفاعيل والعجائب.

وطني كم صنم مجدته لم يكن يحمل طُهْر الصنم

لا تلومي الذئب في عدوانها إن يك الراعي عدو الغنم

ثانيًا: إن الدولة الإسلامية المنشودة هي التي تقوم على حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وهي التي تتبنى الإسلام بشموله عقيدة وشريعة إقرارًا به، وعملًا بموجبه، ودعوة إليه، وولاء وبراءً على أساسه، وإن مفتاح التغيير المنشود هو التعبير عن سيادة الشريعة وأنها وحدها الحجة القاطعة والحكم الأعلى، وأن كل قانون يتعارض معها فهو باطل يجب على المحاكم أن تمتنع عن تطبيقه تلقائيًا لمخالفته لمبدأ المشروعية، ومن حق أي مواطن أن يطعن أمامها ببطلان أي قانون يُعتقد مخالفته للشريعة، وتقضي ببطلانه إذا ثبت لديها ذلك.

ثالثًا: هب أن المنادين بتحكيم الشريعة لا يملكون هذه البرامج وتنقصهم الكفايات والتخصصات النظرية أو العملية فأين ذهبت الجهات المتخصصة التي تقدر على ذلك في بلادنا الإسلامية؟ والتي إذا استنفرتها الدولة نفرت وإذا دعتها لبت؟ ألسنا نعلن أننا مسلمون ديننا الرسمي هو الإسلام؟ والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع؟ وعلى أرضنا توجد أعرق جامعات العالم وبلادنا هي التي تُصَدر العلماء والمتخصصين في علوم الشريعة وفي غيرها إلى جميع أنحاء العالم ؟

إن الدعوة إلى تطبيق الشريعة ليست برنامجًا حزبيًا تطرحه فئة محدودة على أرض الوطن، إنها إرادة هذه الأمة، والدين الذي يستمسك به الكافة، فهي فوق الأطر الحزبية، والتنظيمات السياسية، والخلافات المذهبية، والدولة كل الدولة حكومة ومعارضة مسئولة أمام الله عز وجل عن أن تقيم هذا الدين، وأن تُجيِّش له الطاقات، وأن تعد له الرجال، وأن توظف كل إمكاناتها المادية والبشرية لإقامته على وجهه كما أمر الله.

إن هذا العمل مسئولية أمة وليس مسئولية حزب من أحزابها، أو تيار من تياراتها الفكرية أو السياسية، ولا حرج على الدعاة إلى الله -بل يجب عليهم- إن هم رأوا تعطيلًا لشرائع الله وتحاكمًا إلى غير ما أنزل الله، أن يصدعوا بالنصيحة الواجبة، وأن يجهروا بكلمة الحق في مختلف المواقع، وأن يطلبوا كل قادر ومتخصص أن يدلي بدلوه وأن يبذلوا قصارى جهدهم لتقويم هذا الخلل، وإعادة الدولة إلى الإسلام، وحسبهم أن يشاركوا في ذلك بقدر ما تؤهلهم له قدراتهم وتخصصاتهم، وألا يضنوا على ذلك بوقت ولا جهد ولا مال.

رابعًا: إن الجامعات الإسلامية ومراكز البحوث والمجامع الفقهية ودور الفتوى في العالم الإسلامي رصيد هائل للدعوة إلى تطبيق الشريعة ، وهي تملك من البحوث والدراسات العلمية الجادة في مختلف المجالات والكفايات النادرة المتخصصة ما يفوق الحصر ويذهل العقل . فهل يصح مع ذلك أن يقال: إن الدعوة إلى تحكيم الشريعة دعوة عاطفية تفتقد البرامج التفصيلية والكفايات العملية؟ أليس هذا غمطًا للأمة كلها واتهامًا لجميع مؤسساتها وجامعاتها بالعقم والسلبية والقصور بل بالخيانة وإضاعة الأمانة ؟

إن ما كتب في مجال الاقتصاد الإسلامي من الدراسات والبحوث الإسلامية المتخصصة رغم حداثة العهد بالكتابة في هذا المجال يبلغ بضع مئات وفق التقرير الذي قدم إلى المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة قبل ما يزيد على عشرين سنة ! ترى كم بلغ عددها الآن؟ وما عدد الدراسات المتخصصة في المجالات الأخرى التي لا يزال المتخصصون فيها يكتبون منذ أمد بعيد؟ إن الأزمة التي تواجه الدعوة إلى تطبيق الشريعة ليست أزمة برامج وتفصيلات وإنما هي أزمة إرادة سياسية قادرة على التغيير واتخاذ القرار! ولو وجدت هذه الإرادة لتحوّلت كل كفايات الأمة ومؤسساتها إلى جنود في معركة التطبيق، ولتحولت القيادة السياسية إلى غرفة عمليات تشرف على ذلك كله، تحث الخطى وتوجه المسار!

خامسًا: إن العلمانيين وخصوم الشريعة عندما يرددون هذه الشبهة فهم محجوجون بمنهج التغيير الذي اعتمدته كبريات الحركات الأيديولوجية العالمية التي لم تعن إلا بالعقائد والمبادئ الأساسية، ولم تعن بما وراء ذلك من التفاصيل والجزئيات.

فالثورة الفرنسية تجمع الناس حول ثالوثها المعروف: الحرية والإخاء والمساواة، ومن خلاله عرف الناس أي مجتمع تنشده هذه الثورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت