فهرس الكتاب

الصفحة 582 من 4557

ولا يقولنّ أحد إنه لم يكن من الممكن أن يطفر الإسلام إلى ذلك دفعة واحدة قبل أن يمر بالتجارب القاسية والصراع الطبقي والضغط الاقتصادي الذي يلجئه إلى تعديل تشريعاته ، فها قد ثبت لدينا بديل قاطع أن الإسلام قد سبق تطور البشرية في مسألة الرق والرأسمالية البسيطة متطوعًا غير خاضع لضغط ، وإنما مدفوعًا بفكرته الذاتية عن الحق والعدل الأزليين اللذين يسخر بهما فردريك إنجلز وغيره من الشيوعيين . كما ثبت أيضًا أن روسيا ذاتها قد انتقلت طفرة من الإقطاع إلى الشيوعية ولم تمر بالمرحلة الرأسمالية ، فكانت - وهي الدولة التي اعتنقت آراء كارل ماركس - أكبر مكذب عملي لنظرية ماركس في تحديد المراحل التطورية التي"ينبغي"أن تمر فيها البشرية .

أما الاستعمار والحروب واستغلال الشعوب وكل ما صاحب الرأسمالية من شرور عالمية . فهو خارج من حساب الإسلام أصلًا بطبيعة الحال .

فليس من مبادئه أن يستعمر أو يشن حربًا للاستغلال ، لأن الحرب الوحيدة التي يقرها هي الحرب لدفع العدوان أو لنشر الدعوة حين تقف القوة المسلحة في سبيل الدعوة السلمية . ولا مجال في الإسلام لما يقوله الشيوعيون وإضرابهم من أن الاستعمار كان مرحلة حتمية في حياة البشرية لا يمكن أن تقف في سبيله المبادئ ولا قضايا الأخلاق ، لأنه مسألة اقتصادية ناشئة من تكدس البضائع في البلاد المنتجة والحاجة إلى أسواق خارجية لتصريفها .. لا مجال لهذا الهراء كله لأنهم هم أنفسهم يقولون - أو على الأقل يزعمون - أن روسيا ستتصرف في هذه المشكلة بطريقة أخرى ، هي زيادة نصيب العمال من الإنتاج أو تخفيض ساعات العمل ، بحيث لا يتبقى فائض يحتاج في تصريفه إلى استعمار . والذي تزعم الشيوعية أنها اهتدت إليه ليس وقفًا عليها وحدها . على أن التاريخ يشهد أن الاستعمار نزعة قديمة في البشرية ، ولم ينتج من الرأسمالية ، وإنما الرأسمالية زادته حدة في العصر الحديث بما تملك من وسائل جديدة للتخريب ، ولكنه كان في عهد الرومان لا يقل بشاعة عما هو اليوم من حيث المبدأ ، ومن حيث استغلال الغالب للمغلوب . ويشهد التاريخ كذلك أن أنظف نظام في هذا الباب هو النظام الإسلامي ، لأن حروبه - فما عدا قلة نادرة لا تحسب عليه - كانت بريئة من الاستغلال والاستذلال ، فكان هو أولى النظم - لو نشأت فيه الصناعات الكبرى -أن يلجأ لحل مشكلة الفائض من الإنتاج بغير الاستعمار والحروب . على أن مشكلة الفائض من الإنتاج ذاتها إنما هي إفراز للنظام الرأسمالي بصورته هذه . فلو تغيرت أسسه ما وجدت المشكلة ( ) .

هذا كله من ناحية . ومن ناحية أخرى فإن ولي الأمر في الإسلام لا يقف عاجزًا أمام مشكلة تضخم الأموال في يد فئة قليلة من الناس ، وبقاء المجموع في حالة من الشظف والحرمان . فهذا مخالف لمبادئه الصريحة التي تحتم توزيع المال بين الجميع:"كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم" ( ) وولي الأمر مكلف بتنفيذ الشريعة بكل طريقة يرى أنها توصله إلى ذلك ما دام لا يقع فيها لا ظلم ولا ضرر . وفي يده سلطة واسعة لهذا الشأن لا حدود لها إلا طاعة الله . على أن مجموعة الأنظمة الإسلامية في ذاتها تمنع ابتداء من هذا التضخم . ونشير هنا إلى نظام الإرث وتفتيته للثروة على رأس كل جيل . وإلى نظام الزكاة واقتطاعه واحدًا من أربعين من رأس المال وربحه في كل عام . ونظام التكافل الذي يبيح في بعض الحالات التوظيف في رؤوس الأموال بالقدر الذي يحتاج إليه بيت المال للضرورات . ثم تحريم كنز المال . وتحريم الربا الذي هو العامل الأول والأساسي لتضخم رؤوس الأموال . ثم طبيعة العلاقات بين أفراد المجتمع المسلم وقيامها على التكافل العام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت