فهرس الكتاب

الصفحة 657 من 4557

تحقيق الإحصان والاستعفاف للرجل والمرأة ، وتحقيق ثبوت أنساب الأطفال لآبائهم الحقيقيين.. ففي هذا التسري كما يقول الفقهاء"استعفاف مالك الأمة.. وتحصين الإماء لكيلا يملن إلى الفجور ، وثبوت نسب أولادهن". وأكاد ألمح في التشريع القرآني أمرًا إلهيًا بالإحصان العام للرجال والنساء ، أحرارًا كانوا أو أرقاء.. ففي سياق التشريع لغض البصر ، وحفظ الفروج ، جاء التشريع للاستعفاف بالنكاح الزواج للجميع.. وجاء النهى عن إكراه الإماء على البغاء ، لا بمعنى إجبارهن على الزنا فهذا داخل في تحريم الزنا ، العام للجميع وإنما بمعنى تركهن دون إحصان واستعفاف بالزواج أو التسري أكاد ألمح هذا المعنى عندما أتأمل سياق هذه الآيات القرآنية: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون * وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم * وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) (4) . فالتشريع للاستعفاف والإحصان بالنكاح الزواج والتسري عام وشامل للجميع..

بل لقد جعل الإسلام من نظام التسري سبيلًا لتحقيق المزيد من الحرية للأرقاء ، وصولًا إلى تصفية نظام العبودية والاسترقاق.. فأولاد السرية في الشرع الإسلامي ، يولدون أحرارًا بعد أن كانوا يظلون أرقاء في الشرائع والحضارات غير الإسلامية والسرية ، بمجرد أن تلد ، ترتفع إلى مرتبة أرقى هي مرتبة"أم الولد"ثم تصبح كاملة الحرية بعد وفاة والد أولادها..

وكما اشترط الشرع الإسلامي للتسري استبراء الرحم ، كما هو الحال في الزواج من الحرائر ، اشترط في السرية ما يشترط في الزوجة الحرة: أن تكون ذات دين سماوي ، مسلمة أو كتابية.. وأن لا تكون من المحارم اللاتي يحرم الزواج بهن ، بالنسب أو الرضاعة.. فلا يجوز التسري بالمحارم ، بل ولا يحل استرقاقهم أصلًا ، إناثًا كانوا أم ذكورًا ، فامتلاكهم يفضى إلى تحريرهم بمجرد الامتلاك.. وفى الحديث النبوي الشريف: [ من ملك ذا رحِمٍ مَحْرَمٍ فهو حر ] (5) .

وكما هو الحال في اختيار الزوجة الحرة ، استحسن الشرع الإسلامي تخير السرية ذات الدين ، التي لا تميل إلى الفجور ، وذلك لصيانة العرض. وأن تكون ذات عقل ، حتى ينتقل منها إلى الأولاد. وأن تكون ذات جمال يحقق السكينة للنفس والغض للبصر. فالتخيُّر للنُّطَف وفق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ تخيَّروا لنطفكم] (6) هو تشريع عام في الحرائر والإماء (7) ..

وكما لا يجوز الاقتران بأكثر من أربع زوجات حرائر ، اشترط بعض الفقهاء الالتزام بذات العدد في السراري ، أو فيهن وفى الزوجات الحرائر.. وإذا كان جمهور الفقهاء لا يقيدون التسري بعدد الأربعة ، فإن الإمام محمد عبده في فتواه عن تعدد الزوجات قد قال عند تفسيره لقول الله سبحانه وتعالى: (أو ما ملكت أيمانكم) (8) .

"لقد اتفق المسلمون على أنه يجوز للرجل أن يأخذ من الجواري ما يشاء بدون حصر ولكن يمكن لفاهم أن يفهم من الآية غير ذلك ، فإن الكلام جاء مرتبطًا بإباحة التعدد إلى الأربعة فقط.." (9) .

ويؤيد هذا الاجتهاد ما كان عليه العمل في صدر الإسلام ، إذ لم يكن الرجل يتسرى بغير سرية واحدة وكما يجب العدل بين الزوجات الحرائر عند تعددهن.. قال بعض الفقهاء: إن ما يجب للزوجة يستحب للسرية ، وجعل الحنابلة الإحصان للأرقاء ذكورًا وإناثًا أمرًا واجبًا.. (10) .

هكذا رفع الإسلام ، بالشروط التي اشترطها في التسري ، من شأن السراري ، وذلك عندما جعلهن في الواقع العملي أقرب ما يكن إلى الزوجات الحرائر. وعندما جعل من نظام التسري بابًا من أبواب التحرير للإماء ولأولادهن ، بعد أن كان رافدًا من روافد الاسترقاق والاستعباد.

أما الواقع التاريخي ، الذي تراجع عن هذا النموذج الإسلامي للتسري ، عندما كثرت السبايا ، وتعددت مصادر الاسترقاق.. فمن الخطأ البين بل والتجني حمل هذا الواقع التاريخي على شرع الإسلام..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت