فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 4557

وبالمقابل بعد وفاة صلى الله عليه وسلم أصبح أولياءه: هم العلماء الذين ورثوا هديه , وتراثه , يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ] رواه أبو داود, والترمذي, وابن ماجه, والدارمي, وأحمد . و بين الله عز وجل أن هذه الأمة سيوجد فيها من يحمل الرسالة , فكلما جاء جيل قيض الله تعالى منهم من يحمل الراية , ويقيم الحجة على أهل هذا العصر , ولهذا يقول الله عز وجل في محكم التنزيل: وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 181 ) سورة الأعراف , والاسم الخاص الذي ميز الرسول صلى الله عليه وسلم به هؤلاء هو: الطائفة المنصورة , قال صلى الله عليه وسلم: [ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ] رواه الترمذي,وابن ماجه, وأحمد . يهدون بالحق, وبه يعدلون .

ويقابلهم أعداء الرسل يحاربونهم ويضعون في طريقهم الأذى , والشوك , فلا يضرونهم إلا بالتعب والجهد { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } سورة آل عمران.

وأريد أن ألقي الضوء على بعض المسائل المهمة التي وردت في شأن الخصومة بين الحق والباطل في الآيات, والأحاديث:

المسألة الأولى: وهى مهمة للمسلم في هذا العصر: حركة الصراع بين الحق والباطل و فيها ملاحظات:

الملاحظة الأولى: هي الرابطة الوثيقة التي يتناصر بها أعداء الرسل: يقول الله تبارك وتعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ } كل هؤلاء مصنفون في عداد أعداء الأنبياء , ثم قال تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ... ( 112 ) { سورة الأنعام ويقول الله جل وعلا: } الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ { سورة التوبة , ويقول سبحانه: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ... (51 ) { سورة المائدة , فأعداء الرسل, أعداء الإسلام يتناصرون بمقتضى العداوة وقد يكون بينهم من الخلاف, والصراع الشيء الكثير لكنهم حين يواجهون الإسلام يكونون صفًا واحدًا ....فاليهود والنصارى مثلًا: بينهم عبر التاريخ خصومات طويلة , ومع ذلك يقول الله عز وجل: } بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ... (51 ) سورة المائدة ,يعنى في حرب الإسلام , ومواجهته , وكما قال القائل:

وليس غريبًا ما ترى من صارع هو البغي لكن الأسامي تجدد

وأصبح أحزابا تناحروا بينها وتبدوا في وجه الدين صفًا موحد

فهم حين يكون العدو هو الإسلام؛ ينسون خصومتهم الداخلية, والفرعية, ويوحدون الوجهة ضد الإسلام وأهله , فهذا أمر ملحوظ في ولاية أعداء الرسل بعضهم لبعض . و هذا يوجب على حملة الإسلام أنه لابد أن يكونوا أولياء بعضهم لبعض أيضا , وهناك فرق أساسي: بين ولاية الكافرين , وولاية المؤمنين: فولاية الكافرين مبناها على التعصب والهوى؛ لذلك يقول الله عز وجل: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ... ( 67 ) {سورة التوبة , وكلمة: } مِّن { يقابلها الآية في الأخرى: } وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ( 71 ) { سورة التوبة , وبادي الرأي قد يخيل للإنسان أن كلمة: مِّن } هنا أبلغ , فكيف عبر الله تعالى عن علاقة المنافقين بأن بعضهم من بعض وأما علاقة المؤمنين , فقال: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ { هل معنى ذلك أن علاقة المنافقين ببعض أقوى من علاقة المؤمنين ؟ كلا, وإنما السر _ والله تعالى أعلم فيما ظهر لي _: أن علاقة المنافقين ليست مبنية على منهج , وطريق صحيح يتوالون فيه , بل مبنية على الهوى , والتوافق على الباطل . وأما أهل الحق: فولايتهم مبنية على الحق , فهم أولياء لبعض في الحق , ولذلك لو تخلى أحد منهم عن الحق ؛ تخلوا عن ولايته ، وكذلك لو أخطأ إنسان لما كانت ولايتهم له موجبة لموافقته في الخطأ , ولذلك قال: } بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ فهي ولاية نبوية على بصيرة , وليست عمياء على مجرد الهوى .

إنه لابد في كل عصر _ وفى هذا العصر بالذات وقد رأينا جميعًا كيف يتوالى أعداء الإسلام على حربه _ من التعاون بين المسلمين على البر والتقوى كما قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ( 4 ) سورة الصف , هل تجد أبلغ من هذا الوصف والتشبيه . والبنيان المرصوص لا يمكن أن يجد فيه أحد ثغرة ينفذ منها , أو يتسلل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت