ويُقال: فلان حضَري إذا كان من أهل الحاضرة، وفلان بدوي إذا كان من أهل البادية، والحضري لما تميز به عن البدوي بالثبات والإقرار وعدم التنقل والترحال فإن ذلك ساعده على أن يثري حضارته مقر إقامته بجميع مظاهر النمو والتطور، والإبداع العلمي والفني والعمراني، والاجتماعي .. فالحضارة هي محضن كل تطور أو إنجاز إنساني [ (1) ] .
أما اصطلاحًا: فالحضارة هي عبارة عن مجموع المفاهيم، والقيم، والتصورات، والعقائد، والقوانين، والمبادئ، والعادات التي تشكل سلوكًا معينًا ومحددًا عند الإنسان، وتحدد له طريقة معينة في الحكم، والعيش، والحياة، والتعامل مع الآخرين.
فالصدق مثلًا: خلق ومفهوم وقيمة حضارية .. يهدي إلى البر .. ويترتب عليه سلوك إيجابي متحضر على مستوى الفرد والمجتمع .. بخلاف الكذب فهو خلق مذموم غير حضاري .. لأنه يهدي إلى الفجور والفساد .. ويشكل سلوكيات سلبية متخلفة مدمرة تسيء للفرد والمجتمع سواء.
(1) أنظر لسان العرب، والمعجم الوسيط.
وكذلك نقول: في خُلق ومفهوم الأمانة، والوفاء بالعهد، والعدل، والشورى، والإيثار، والشكر، والجود، والشجاعة، والحياء، والأدب .. والقناعة، والتواضع، وإغاثة الملهوف والمحتاج، وحب الخير للآخرين، ومفهوم الحرص على الوقت، وحسن استغلاله فيما ينفع .. والاقتصاد من غير تقتير ولا تبذير ولا إسراف .. والدقة في المواعيد .. والنظام والتنظيم .. وعدم الفضول وتدخل المرء فيما لا يعنيه .. والنظافة والحرص عليها، والرياضة الهادفة التي تُثمر جسدًا سليمًا وقويًا .. وحب الاطلاع والاستكشاف، والمطالعة والقراءة الراشدة الواعية، والحرص على العلم، والتعلُّمِ، والتعليم .. والعلم التجريبي التطبيقي .. وحب العمل والانتاج والاعتماد على النفس؛ فاليد العليا خير وأحب إلى الله تعالى من اليد السفلى .. فهذه كلها مفاهيم وقيم حضارية معتبرة .. تعطي وتفرز سلوكًا إيجابيًا نافعًا ومتحضرًا .. مؤداه إلى عمران الأرض بما ينفعها وينفع ساكنيها .. وكل مفهوم حضاري يكون ضده بالضرورة مفهومًا غير حضاري .. والعمل به مؤداه إلى سلوك سلبي مذموم غير متحضر .. ينعكس على الأرض وساكنيها بالضر والفساد، والشر؛ فإذا قلنا مثلًا بأن الوفاء بالعهد مفهوم حضاري فيكون ضده الغدر وهو مفهوم غير حضاري، وكذلك العدل، فضده الظلم وهو مفهوم غير حضاري .. وهكذا بقية المفاهيم والقيم الأخرى.
واعلم أن أعظم وأجل وأرقى مفهوم حضاري على الإطلاق هو مفهوم التوحيد؛ الذي يحمل المرء على أن يُفرد الخالق ( بالعبادة، والقصد، والطاعة، والمحبة، والتحاكم .. وبالتالي فإن أسوأ وأخنع وأقبح مفهوم حضاري على الإطلاق هو الشرك؛ الذي يُعبد العبيد للعبيد، والذي يحمل المرء على أن يتخذ أندادًا وشركاء يعبدهم ويطيعهم، ويحتكم إليهم، ويضحي في سبيلهم من دون الله ( .. وعلى هذا المفهوم الحضاري مدار الخلاف والصراع ـ على مدار التاريخ كله ـ بين أهل التوحيد من جهة، وبين أهل الشرك والباطل بكل أطيافهم وتجمعاتهم ومسمياتهم من جهة أخرى.
هذا الخلاف حول هذا المفهوم الحضاري ( التوحيد ) أدى إلى خلاف حول مفاهيم حضارية أخرى مرتبطة به؛ كمفهوم"الحرية"مثلًا؛ هل هي مطلقة أم مقيدة، وما هي المساحة المسموح بها، والمساحة الممنوعة، ومن هي الجهة التي تحدد نسبة هذه الحرية .. وكذلك مفهوم السيادة العليا في الأرض لمن تكون؛ من الحاكم، من له الأمر فيُطاع، من له خاصية التشريع والتحليل والتحريم، والتحسين والتقبيح؛ للخالق أم للمخلوق .. لله تعالى وحده أم لعبد الله .. وكذلك القيم الحضارية ذات العلاقة بتحديد خصوصيات وحقوق الخالق ( وخصوصيات وصلاحيات الإنسان، وحقوقه وواجباته .. فهذا النوع من القيم هي محطة تنازع واختلاف بين أمة الإسلام أو الحضارة الإسلامية، والحضارات الأخرى بكل مسمياتها وصورها .. وهذه مسألة سنعود إليها ـ إن شاء الله ـ بشيء من التفصيل عند الحديث عن أوجه الخلاف بين القيم الحضارية للحضارة الإسلامية، والقيم الحضارية للحضارات الأخرى.
... فإن عُلِم هذا الذي تقدم يُقال: عندما يتصرف المرء بطريقة صحيحة راقية أخلاقية ومسؤولة .. يُقال عنه هذا إنسان متحضر .. وإذا تصرف بطريقة خاطئة، متخلفة، غير أخلاقية
ولا مسؤولة .. يُقال عنه هذا إنسان متخلف .. همجي .. غير متحضر.