فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 4557

... فالسلوك الإنساني .. أيًَّا كان نوعه .. وكانت نتائجه .. ليس هو الحضارة .. وإنما هو عبارة عن نتاج المفاهيم والتصورات الحضارية التي ينتمي إليها هذا الإنسان ويعتقد بها .. والتي أفرزت عنده هذا السلوك .. فإن كان سلوكًا إيجابيًا ممدوحًا فهذا دليل على وجود قيم حضارية إيجابية وممدوحة .. وإن كان سلوكًا سلبيًا مذمومًا فيكون ذلك دليلًا على عدم وجود قيم حضارية إيجابية معتبرة عند هذا الإنسان .. وإنما يكون دليلًا على وجود قيم وأخلاقيات متخلفة غير متحضرة ولا راقية .. فالسلوك الإنساني ـ ايًا كان نوعه ـ هو التعبير الصادق عن نوعية ومدى جودة تلك القيم الحضارية التي ينتمي إليها الإنسان.

... فالإنجاز العلمي التجريبي ـ قديمًا وحديثًا ـ يشترك فيه جميع بني البشر .. وأسبابه مبذولة للجميع .. وبالتالي فهو ليس دليلًا ولا مقياسًا على تحضر أو حضارة شعب من الشعوب .. وإنما هو دليل على وجود جزء من تلك المفاهيم والقيم الحضارية التي ينتمي إليها ذاك الشعب أو غيره .. ألا وهي قيمة الاهتمام والحرص على العلم التجريبي التطبيقي.

فالآلة المصنَّعة .. مهما كانت ضخمة وهامة ومتطورة .. ليست هي الحضارة .. وإنما المفاهيم والقيم والتصورات .. التي كانت سببًا في وجود هذه الآلة .. والتي تحكم وتحدد الطريقة التي تُستخدم بها هذه الآلة .. هي الحضارة، ومن خلالها يُحكم على صاحبها بالتحضر أم لا أو كم هي نسبة التحضر التي يتحلى بها!

فالذي يُصنِّع سلاحًا متطورًا وفتاكًا مدمرًا .. لكي يستخدمه لأغراض الشر والفساد والتخريب والدمار في الأرض .. ولأغراضه الشخصية الذاتية أو الحزبية الضيقة .. فهذا رغم ملكه لهذا السلاح الفتاك وتصنيعه له .. فهو إنسان غير متحضر .. لا يُمكن أن يُنسَب إلى الحضارة والتحضر في شيء .. ولو نُسب مجازًا فهو يُنسب إلى حضارة متخلفة همجية غير راقية .. ولا إنسانية!

فهذا الذي يصنِّع قنبلة ضخمة فتاكة .. ليقتل بها الأطفال والنساء، وغيرهم من الآمنين ممن صان الشرع حرماتهم .. وليدمر البيوت على رؤوسهم .. فهذا رغم تصنيعه لهذه القنبلة الضخمة لا يُمكن أن يُصنَّف بأنه إنسانٌ متحضر أو يُوصَف فعله هذا بالتحضر والرقي، أو أنه ينتمي إلى قيم حضارية راقية معتبرة!

الإنسان الذي ينتهج مبدأ الغايات تبرر الوسائل؛ مهما كانت هذه الوسائل قذرة وسيئة ومنحطة .. لا يُمكن أن يُعتبر متحضرًا ولا راقيًا مهما كان متقدمًا في الصناعات والتطاول في البنيان والعمران!

نقول ذلك لأن كثيرًا من الباحثين فضلًا عن غيرهم يقيسون الحضارة والتحضر بمدى الإنجاز والتطور العلمي، ويظنون أن آلات التصنيع المتقدمة .. والتطاول في العمران .. التي يتمتع بها مجتمع من المجتمعات هي الحضارة ذاتها .. وهي دليل على تحضر ورقي ساكني هذه المجتمعات .. وهذا خطأ فاحش شائع لا بد من تصحيحه وتداركه!

المجتمع النبوي الأول في المدينة المنورة لم يكن يعرف التطاول في العمران والبنيان، ولا الصناعات الضخمة والمتطورة .. ومع ذلك فهو أعظم المجتمعات رقيًا وتحضرًا عرفها التاريخ من قبل وإلى يوم القيامة؛ لأنه كان قائمًا على مجموعة من المفاهيم والقيم الحضارية الراقية النبيلة التي لا توازيها قيم ومفاهيم حضارية أخرى في أي موضع أو زمانٍ آخر، سرعان ما أعطت نتائجها، وانعكست آثارها الإيجابية على العالم أجمع، وفي سنوات معدودات .. فغيرت وجه التاريخ من أظلم صورة يُمكن أن تُعرَف إلى أشرق وأعدل وأعظم صورة!

ـ وجود الصراع بين الحضارات.

من خلال هذا الذي تقدم نقول: الصراع بين الحضارات قائم وموجود لا مجال لنكرانه، وهو في حقيقته صراع بين المفاهيم والتصورات والقيم والمبادئ .. والعقائد .. المتناقضة المتضاربة .. والتي تحدد معالم وطريقة الحياة لكل حضارة أو أمة من تلك الحضارات أو الأمم.

هو صراع وتدافع بين مفاهيم وقيم الشر والظلم والطغيان وأتباعها من جهة وبين مفاهيم وقيم الخير والحق والعدل وأتباعها من جهة أخرى.

هو صراع بين التوحيد وأهله من جهة، وبين الشرك والكفر والجحود وأهله من جهة أخرى.

هذا النوع من الصراع والتدافع بين الحق والباطل .. بين التوحيد والشرك .. وبين العدل

والظلم .. وبين الفساد والدمار وحب السلام والإعمار .. هو المراد من صراع الحضارات .. وهذا النوع من الصراع قائم وموجود منذ أن خلق الله تعالى إبليس .. وآدم ( .. وجعل أحدهما عدوًا للآخر .. ومنذ أن قدر وجود الخير والشر في الأرض .. بل في النفس الواحدة للإنسان نجد أن الله تعالى قد قدر فيها نوازع الخير والشر معًا .. وخلق في الوجود المتناقضات والأضداد .. وسيبقى هذا الصراع بين الأضاد والمتناقضات ما شاء الله تعالى .. وإلى أن يرث الله الأرضَ ومن عليها .. لا يمكن أن تستقيم الحياة في الأرض ولا أن تسلم من الدمار والخراب من دونه .. ولا أن تنجو السفينة من الغرق والهلاك من دونه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت