... هؤلاء الذين يتشبعون بما لم يُعطَوا فيزعمون أنهم يريدون إيقاف صراع الحضارات .. يُقال لهم: أوقفوا إبليس وجنده عن الكيد والتآمر، والفتنة، والفساد في الأرض إن استطعتم .. ضعوا نهاية لإبليس وجنده إن استطعتم .. فإن لم تستطيعوا ولن تستطيعوا .. فكيف تستشرفون مهمة إيقاف صراع الحضارت .. وأنتم تعلمون أن حضارات معاصرة كاملة قائمة على عبادة الشيطان، وعلى حكم وشرع وقيم الشيطان؟!
هذه حقيقة ساطعة ظاهرة قد دلت عليها جميع الأدلة النقلية والعقلية والواقعية .. لا خفاء فيها ولا غموض، ينبغي التسليم بها .. إذ لا يجوز تجاهلها أو إلغاؤها أو التغاضي عنها، أو عدم اعتبارها عند حصول أي عملية تدافع وصراع وتنافر بين الحضارات أو بين قوى الخير والشر .. أو بين جند الله من جهة وجند الشيطان من جهة أخرى، كما قال تعالى:( الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (النساء:76.
ـ الأدلة النقلية على وجود الصراع بين الحضارات.
هذا الصراع والتدافع ابتدأ ـ كما قلنا من قبل ـ منذ أن خلق الله تعالى آدم ( وبين له ولذريته أن عدوه إبليس وكل من يدخل في حزبه وجنده من شياطين الإنس والجن، ليحذره ويجتنبه ويتخذه عدوًا، كما قال تعالى:( فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا ( أي إبليس ( عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (طه:117. وقد نهاه ربه ـ لحكمة يشاؤها ـ عن أن يأكل من شجرة محددة من شجر الجنة، كما قال تعالى:( وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (الأعراف:19. إلا أن عدوه إبليس أبى إلا أن يمكر ويكيد عسى أن يحمل آدم على المخالفة والمعصية فيشقى:( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (طه:120. وفي سورة الأعراف:( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (الأعراف:20. فحصل الإصغاء من آدم لموعظة ونصيحة عدوه إبليس .. فأكل من الشجرة ووقع في العصيان والشقاء والبلاء والعذاب وحصل الهبوط إلى الأرض .. لتستمر العداوة ويستمر الصراع والتدافع بين حضارة إبليس وجنده وقيمهم الباطلة الفاسدة الظالمة من جهة وبين حضارة الإيمان التي تنشأ على أيدي من آمن بالله تعالى من ذرية آدم واتبع المرسلين، كما قال تعالى:( فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (طه:121. وقال تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (البقرة:36. وفي سورة الأعراف:( قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (الأعراف:24. وقال تعالى:( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (طه:123. وقال تعالى:( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (فاطر:6.
هكذا كان ـ منذ القدم ـ مبدأ الصراع بين الحق والباطل .. وهكذا هو مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. فما من نبي أرسله الله تعالى ليصلح ما أفسده الشيطان وجندُه في الأرض .. إلا ويتصدى له عدو من المجرمين المستكبرين، من أتباع وحزب الشيطان .. يصده عن دعوته وإصلاحه .. بحجة المحافظة على الدين والقيم والمفاهيم والعادات التي نشأوا وتربوا عليها .. وأن الأنبياء يدعون إلى قيم حضارية تختلف مع قيمهم ومبادئهم التي أقاموا حضارتهم على أساسها، ووجدوا آباءَهم عاكفين عليها!