فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 4557

كما في قوله تعالى:( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (غافر:26. فعلل فرعون رغبتَه في قتل موسى ( ومن آمن معه في خوفه من أن موسى ( يريد أن يبدل دين قوم وأتباع فرعون؛ أي يبدل طريقتهم في العيش والحياة، ويبدل مفاهيمهم، وقيمهم التي اعتادوها وتربوا عليها، والقائمة على العبودية والخدمة لفرعون وقصره .. وأنه ـ أي موسى ( ـ ما أراد بذلك التغيير والتبديل إلا الفساد في الأرض .. وهي ذريعة طواغيت الأرض كلهم من قبل ومن بعد في رد الحق وتهييج الرعاع والعامة ضده .. فما من طاغية إلا وتراه يبرر جرائمه في قتال وقتل المؤمنين ـ أتباع وورثة الأنبياء والرسل ـ بأن المؤمنين من دعاة الفساد .. وأنه بقتاله وقتله لهم يريد أن يمنع فسادهم في الأرض .. وهو في حقيقته يكون رأسًا في الفساد والإجرام والطغيان.

قال ابن كثير في التفسير:( إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ( يعني موسى؛ يخشى فرعون أن يُضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يُقال في المثل: صار فرعون مذكِّرًا؛ يعني واعظًا يُشفق على الناس من موسى ( ا- هـ. وما أسوأ وأقبح وأوقح من الطغاة المجرمين الآثمين عندما يرتدون ثوب الوعظ والوعاظ .. وما أكثرهم في زماننا!

وكذلك قوله تعالى:( قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (طه:63. فقوله( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (؛ وإن قيلت على لسان سحرة فرعون .. ويعنون بالطريقة السحر وما هم فيه من ملك وجاه ورياسة بسبب شعوذتهم وسحرهم وكفرهم .. إلا أن هذه المقولة تعتبر الذريعة الأكبر لجميع طواغيت الأرض ـ

على مرِّ جميع عصورهم ـ لرد الحق، ومحاربته، ومحاربة أهله!

ومن صور عداء الملأ من الشعوب السالفة ما قاله تعالى عن الملأ من قوم شعيب وعن موقفهم من شعيب ( ودعوته، كما في قوله تعالى:( قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (الأعراف:88. فعللوا سبب صراعهم وخلافهم مع شعيب ( ومن آمن معه أنهم على ملة ودين وطريقة غير ملتهم ودينهم وطريقتهم .. وبالتالي فإن الصراع قائم ومستمر .. ولا يقف إلا بإحدى أمرين: إما بعودة شُعيب ومن آمن معه عن دينهم، والدخول في دين وملة وطريقة وتقاليد الملأ .. ومشاركتهم فيما هم فيه من فساد وضلال وانحراف .. أو الطرد والإخراج من القرية .. بحيث لا يرى أحدهما الآخر.

وهذا الذي قاله الملأ من قوم شُعيب لنبي الله شُعيب قاله الكفار المجرمون لرسل الله وأتباعهم على مرِّ التاريخ والأزمان، كما قال تعالى:( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (إبراهيم:13. فالصراع كما هو واضح ليس حول التكنولوجيا ولا حول الصناعات .. وما يُمكن أن يخترعه الإنسان من وسائل تعينه على البناء والعمران .. وإنما على المبادئ والعقائد والملة .. والمفاهيم .. والقيم التي تحدد طريقة العيش والحياة .. والنظام الذي يحكم البلاد والعباد .. فجميع الذين كفروا عبر تاريخهم كله قالوا لجميع الرسل ـ عبر تاريخهم كله ومن دون استثناء ـ ولمن آمن معهم ( لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا (، أي في ديننا، ومفاهيمنا .. وقيمنا .. وعاداتنا .. وطريقتنا في العيش والحياة .. التي لا نرضى أن تنضبط إلا بالضابط الذي نهواه ونشتهيه.

وكذلك قوم لوط .. ما نقموا من لوط ( ومن آمن معه إلا أنهم لا يأتون الرجال شهوة مثلهم .. وأنهم لا يقترفون الفواحش .. وأنهم أناس يتطهرون .. وهذا بخلاف ما هم عليه من الفسوق والفجور .. والعادات السيئة، كما قال تعالى عنهم:( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ( لماذا .. ما هو السبب .. ما هي الجريمة التي ارتكبوها والتي على أساسها يستحقون الطرد والإخراج من البلاد .. ( إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (النمل:56. وقيم الطهر والعفة لا تلتقي ولا تتعايش مع قيم الفجور والفسوق والعصيان .. لا بد من إخراج وطرد أحدهما للآخر؛ فمنظر الطهر والعفة والحشمة والحجاب يؤذي أنظار المجرمين الفاسقين؛ لأنه يذكرهم بسوء حالهم وحقيقة الدرك الذي هم فيه .. لذا كان جوابهم حاسمًا قاطعًا ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ (.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت