هذا الموقف الحاقد المتخلف للملأ من قوم لوط تجاه لوطٍ ( ومن آمن معه .. يتكرر في أبشع صوره في قرننا المعاصر؛ قرن الواحد والعشرين .. يتكرر في زمن الحريات والديمقراطيات المزعومة .. وفي أكثر المجتمعات زعمًا بأنها تحترم حقوق وحرية واختيار الإنسان .. إنها السُّنَن؛ سُنن اتباع الخلَف من المجرمين الفاسقين لسلفهم الطالح من الفاسقين المجرمين ..!
كم هي الدول والحكومات التي تزعم الرقي والتقدم والتحضر واحترام حقوق الإنسان وحرياته .. والتي تجبر النساء على خلع الحجاب .. وتمنعهن من دخول مؤسساتها وجامعاتها ومدارسها .. وهن مرتدين للحجاب!
قالوها بكل صراحة ووضوح .. أخرجوا من قريتكم وجامعاتكم ومدارسكم ومؤسساتكم .. كل فتاة طاهرة متحجبة .. فطهرها وحجابها يؤذينا .. نعم للحرية عندما تسير في اتجاه الإباحية، والعهر، والفجور، والفسوق والعري .. أما إن سارت في اتجاه الحشمة، والحجاب، والعفة، والطهر .. فلا للحرية، وألف لا[ (1)
(1) على سبيل المثال لا الحصر، من شروط الهجرة إلى هولندا ـ كما تناولت ذلك بعض وسائل الإعلام ـ أن يُشاهد المهاجر ـ ويعنون به المهاجر المسلم ـ فلمًا إباحيًا خلاعيًا من دون أن تظهر عليه علامات الصدمة أو الدهشة أو الاستغراب .. فإن ظهر عليه شيء من ذلك يرسب في الاختبار، ويرد طلبه، ويُطرد، ويُعاد إلى بلده .. وغرضهم من ذلك كما قالوا: أن يتأقلم المهاجر ـ وبخاصة المسلم ـ مع قيم وعادات المجتمع الهولندي!
وكذلك في الدولة الإلمانية من شروط قبول المهاجر المسلم وحتى يُسمح له الإقامة في البلد ويتجنس بجنسيتها يجب عليه أن ينجح في الإجابة عن ثلاثين سؤالًا، من هذه الأسئلة: كيف سيكون رد فعلك إذا قدم إليك ابنك الأكبر وقال إنه شاذ جنسيًا، ويعتزم الإقامة مع رجلٍ آخر؟ ماذا ستفعل كأب أو أخ إذا جاءت ابنتك أو شقيقتك للمنزل وقالت إنها تعرضت لتحرش جنسي؟ ما رأيك إذا تزوج رجل في ألمانيا بامرأتين في نفس الوقت؟ هل تسمح لابنتك أن تشارك في السباحة وممارسة الرياضة مع الآخرين، وإن كان الجواب لا، فلماذا؟ هل تُفضل عيادة طبيب أم طبيبة، ولماذا؟ وغيرها من الأسئلة التي إن أجاب عنها كما يريدون ويشتهون أُذن له بأن يُقيم في بلدتهم، وإن لم يجب عنها كما يشتهون ويريدون .. يرسب في الاختبار .. ويُمنع من الإقامة في بلدتهم ويُطرد منها ... والسؤال الذي يطرح نفسه: أليس فعلهم هذا هو نفس ما فعله قوم لوط من قبل لما قالوا لنبي الله تعالى لوط (:( أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (؟!
ومن الأدلة النقلية الدالة كذلك على هذا النوع من التدافع والصراع قوله تعالى:( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ (البقرة:217. فبين الله تعالى أن الكفار ـ في كل زمان وإلى يوم القيامة ـ لا يزالون يُقاتلون المؤمنين .. ويمكرون ويدبرون ضدهم .. لا لشيء سوى أن يردوهم عن دينهم وعقيدتهم .. وقيمهم .. ليدخلوهم في دين وقيم الكفر والشرك والفسوق .. فهذا النوع من الصراع والتدافع قائم ومستمر إلى يوم القيامة .. بنص كلام الله تعالى .. فمن رده وأراد أن يُبطله فهو يكذب الله تعالى، ويرد كلامه .. ومن يرد كلامه فقد كفر!
وكذلك قوله تعالى:( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ (البقرة:109. فهذه الرغبة جامحة عامرة ـ لا يمكن مواراتها أو إنكارها ـ عند كفار ومشركي أهل الكتاب؛ وهي بأن يردوا المؤمنين بعد إيمانهم كفارًا ومشركين .. وماذا يعني صراع الحضارات ـ عند المشركين ـ غير هذا المعنى!