ورغم أن كل هذه الأمور قد جاء ذكرها في الأناجيل، فليس هناك ما يمنع قبولها، إذ لا ينبغي رفضها لمجرد أنها جاءت في الأناجيل، وإنما يمكن أن نرفضها إذا كانت تختلف مع ما هو معقول، أو إذا كانت تختلف مع نص صريح من وحي الله تعالى جاء في الكتاب المقدس أو في القرآن الكريم. وليس هناك ما هو غير معقول في أن يقبض الجند على نبي من أنبياء الله، أو أن يُقدم ذلك النبي للمحاكمة، أو أن يتعرّض ذلك النبي للتعذيب والابتلاء الشديد. ولعل ما حدا ببعض الناس إلى القول بأن المسيح صلى الله عليه وسلم لم يُعلق على الصليب هو سوء فهمهم لمعنى قوله تعالى { وَمَا صَلَبُوهُ } ، إذ ظنوا أن القرآن المجيد ينفي تعليق المسيح على الصليب. والحقيقة أن هناك فرقا شاسعا بين الصلب والتعليق على الصليب، فالصلب معناه الموت أثناء التعليق على الصليب، أما مجرد التعليق على الصليب بغير الموت فلا يُعتبر صلبا، وإنما يعتبر تعليقا فقط. والفرق بين التعليق والصلب مثل الفرق بين الغطس والغرق، فكل من الغطس والغرق يعني نزول المرء تحت الماء، ولكن إذا خرج المرء من الماء حيا يُقال إنه غطس، ولا يُقال إنه غرق، أما إذا مات وهو تحت الماء فحينئذ فقط يقال إنه غرق. كذلك الحال بالنسبة للتعليق والصلب، كلاهما يعني تعليق المرء على الصليب، فإذا نزل المرء من على الصليب حيا، يُقال إنه عُلّق على الصليب، ولا يُقال إنه صُلب، أما إذا مات المرء وهو معلق على الصليب، فحينئذ فقط يُقال إنه صُلب. ويؤكد القرآن المجيد على هذا المعنى في العديد من الآيات الكريمة، إذ يقول تعالى على لسان فرعون مخاطبا السحرة الذين آمنوا بموسى صلى الله عليه وسلم: { لأٌقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [ (الشعراء:49) ، ومن الواضح أن المقصود بكلمة لأُصَلِّبَنَّكُمْ[ هنا هو الموت والقتل على الصليب وليس مجرد التعليق فقط. كذلك يقول تعالى ] إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[ (المائدة:33) . ومن الواضح هنا أيضا أن المقصود بكلمة يُصَلَّبُوا } هو الموت والقتل على الصليب وليس مجرد التعليق فقط. والقرآن المجيد ينفي صلب المسيح في قوله تعالى وَمَا صَلَبُوهُ[ ولكنه لا ينفي مجرد تعليقه فقط على الصليب.
وعلى هذا، فلا معنى للقول بأن الله تعالى قد ألقى شبه المسيح على شخص آخر، وإنما يكون معنى قوله تعالى ] وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [ أن اليهود لم يفلحوا في تحقيق قتله عموما، وخاصة لم يحققوا قتله على الصليب، وإنما علقوه فقط، فلما أُغمي عليه شُبّه لهم أنهم قد قتلوه على الصليب، أي أنهم تخيلوا أنهم قد حققوا صلبه، ولكنه لم يُصلب في حقيقة الأمر، لأن الله تعالى لم يقبض روحه، بل ظل حيًّا على الصليب، وأُنزل حيًّا من على الصليب، وبذلك فقد أفسد الله تعالى تدبير اليهود، وهذا معنى قوله تعالى ] وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ[، أي أن اليهود دبّروا أمر قتله على الصليب، فدبر الله تعالى أمر نجاته من القتل على الصليب، وخُيّل لهم أنهم حققوا قتله على الصليب، ولكنهم لم يكونوا متيقنين من ذلك، بل كانوا في شك منه، ولذلك فإنهم لا يتبعون في ذلك إلا الظن، والحقيقة أنهم ما قتلوه يقينا.