فهرس الكتاب

الصفحة 957 من 4557

هذا هو المعنى الذي يتفق مع كلام الله تعالى في القرآن الكريم، ويتفق مع العقل، ويتفق أيضا مع الأحداث التاريخية التي وصلت إلينا. وليست كل عبارة جاءت في الأناجيل تكون كاذبة أو خليقة بأن نرفضها، وإنما يتحتّم أن نرفضها إذا كانت تتعارض مع وحي الله تعالى الواضح في الكتاب المقدس أو في القرآن الكريم، أو إذا كانت تتعارض مع العقل وتتناقض مع المعقول من الأمور. وليس في تعليق المسيح صلى الله عليه وسلم على الصليب ما يتناقض مع المعقول من الأمور، فكثير من الأنبياء قد تعرّضوا للأذى الشديد، فصبروا على ما أصابهم في سبيل الله. وها هو سيد الخلق أجمعين - صلى الله عليه وسلم -، لم يُستثن من المعاملة الوحشية التي تلقاها من قومه. وفي إحدى المناسبات بينما كان يصلي، وضع جماعة من الكفار وشاحًا حول عنقه وشدّوه عليه حتى جحظت عيناه. ثم حدث أن جاء أبو بكر الله أكبر فأبعدهم عنه باكيًا وقال:"أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله"؟! وفي مرة أخرى كان الرسول الله أكبر ساجدًا في صلاته، فجاءوا بأمعاء بعير وألقوها على ظهره، فلم يستطع النهوض حتى جاءت ابنته فاطمة وأزالت هذه الأثقال عنه. وفي حادثه ثالثة كان يمر بالطريق، فتبعته جماعة من الصبيان أخذوا يصفعون رقبته صائحين بالناس أنه يدّعي النبوة. هكذا كان الرسول الله أكبر يلقَى العداوة والكراهية من هؤلاء الناس، وكان يبدو في أيديهم بلا حول ولا قوة. كان الناس يرجمون بيته بالحجارة من أسطح المنازل المجاورة، وكانوا يلقون على مطبخه الرّوَث والقاذورات ونفايات الحيوانات المذبوحة. وكثيرًا ما كانوا يحثون عليه التراب أثناء أدائه الصلاة. وحدث أن رجمه الغوغاء بالحجارة عندما ذهب إلى الطائف، فشُجّت رأسه، وتدفقت الدماء من رأسه إلى أن وصلت إلى قدميه. وها هو في غزوة أُحُد تتعاوره الأحجار حجرًا بعد حجر، فأحدث الأوّل به جرحًا عميقًا، وجعل الثاني حلقتي المغفر تدخلان في خده، وبينما كانت السهام تتساقط غزيرة متسارعة والرسول - صلى الله عليه وسلم - مثخن بالجراح، كان يدعو الله قائلًا: ''ربِّ اغفر لقوْمي فإنهم لا يعلمون'' (مسلم، كتاب الجهاد والسير) . ورغم كل ما أصاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أهوال ومشاق وآلام في سبيل الله تعالى، فإنه سبحانه لم يُلق شبهه على أحد لينقذه مما أصابه، ولكنه مع ذلك يقول وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[ (المائدة:67) ، أي أنه سبحانه يعصمه من القتل بأيدي الناس، وهذا هو ما حدث رغم أن الجيوش قد جُيّشت من أجل قتله، وجاءت الأحزاب من جميع أنحاء جزيرة العرب من أجل القضاء عليه، وألقى اليهود عليه حجرا كبيرا فنجاه الله تعالى، وحاولت امرأة يهودية أن تقتله بالسم فحفظه الله تعالى. وقال الله تعالى في حقه - صلى الله عليه وسلم - ما قال في حق المسيح صلى الله عليه وسلم ، إذ قال وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ[ (الأنفال:30) .

لقد مكر الذين كفروا في حق المسيح صلى الله عليه وسلم كما مكر الذين كفروا في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفي الحالتين كان الله خير الماكرين، ولكنه لم يُلق شبه نبيه على أحد، فما كان الله تعالى ليرضى أن يهين صورة نبيه بأن يجعلها على شخص آخر أقل مكانة وأقل درجة من مكانة نبيه، وإنما دبر سبحانه في الحالتين نجاة نبيه من التدبير السيء الذي خطط له أعداء الله، فأفسد تدبيرهم ونفّذ تدبيره، وأفشل مآربهم وحقق مشيئته. نعم لقد قاسى كل منهما آلام الاضطهاد والتعذيب، ولكن هكذا الأنبياء يكونون دائما هم القدوة والمثل الذي يقتدي به أتباعهم المؤمنون. لقد عُلّق المسيح صلى الله عليه وسلم على الصليب، ولكنه لم يُصلب، إذ نجاه الله تعالى من الموت على الصليب، وهذا ما كان يمكر أعداؤه لتحقيقه. ورُجم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالحجارة، ولكنه لم يُقتل، إذ نجّاه الله تعالى من الموت قتلا، فهذا ما كان يمكر أعداؤه لتحقيقه أيضا. لقد تعرّض المسيح صلى الله عليه وسلم مرة واحدة لحادثة الصلب التي نجاه الله تعالى منها، ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعرّض مرات ومرات لمحاولات القتل بيد أعدائه، بداية بمحاولة قتله عندما أحاطوا بداره وانتظروه أن يخرج ليقتلوه، فخرج دون أن يتنبهوا لخروجه وهاجر إلى المدينة، وانتهاءً بالمحاولات التي بذلها أبو عامر الراهب ومنافقو المدينة للقضاء عليه والتآمر مع الروم لغزو المدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت