وما دام جناب القمّص معجب أشد الإعجاب بكلام البيضاوي، ويعترف بأنه"فسر كويس"، فنحن نريد أن نشاطر جناب القمّص عظيم إعجابه، ونقول إنه بذلك وقع في الحفرة التي كان يحفرها. لقد اعترف بأن قوله تعالى { شُبِّهَ لَهُمْ } يعني"خُيِّل لهم"أنه قد قُتل وقد صلب، ولكنه في الحقيقة لم يُقتل ولم يُصلب. وجميع المفسرين المسلمين متفقون على هذه النتيجة لقوله تعالى شُبِّهَ لَهُمْ[، ولو أنهم يختلفون على الوسيلة التي تم بها هذا"التخيل"أو هذا"التصوّر". فالبعض يقول إن الله تعالى ألقى شبه المسيح على شخص آخر، وهذا الشخص الآخر هو الذي قُتل وصُلب. وقد عارض الكثير من المفسرين هذا الرأي، بما فيهم الإمام الرازي الذي استشهد به جناب القمّص، والذي استنكر مبدأ إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر، فقال كما ذكر القمص:
"إن جاز أن يُقال إن الله تعالى يُلقي شبه إنسان على آخر، فهذا يفتح باب السفسطة، فلربما إذا رأينا زيْدًا، فلعله ليس بزيْد، ولكن الله ألقى شبه زيْد على شخص آخر. وإذا تزوج رجل فاطمة، فلعله لم يتزوج فاطمة، ولكن الله ألقى على خديجة شبه فاطمة، فتزوج خديجة وهو يظن أنها فاطمة. لو جاز إلقاء شبه أحد على شخص آخر، فعندئذ لا يبقى الزواج، ولا الطلاق، ولا الامتلاك، موثوقا به".
ولا شك أن كلام الإمام الرازي على جانب كبير من الصحة، ولذلك فإننا نستبعد أيضا هذا الرأي الذي يستبعده الرازي، وعلى هذا فلا بد أن تكون هناك وسيلة أخرى، خُيّل لهم بواسطتها أنهم قتلوا المسيح صلى الله عليه وسلم وصلبوه. ونستطيع أن نضرب لذلك مثالا لما حدث لسيدنا رسول الله وصاحبه أبي بكر إذ هما في الغار بعد هجرتهما من مكة، فجن جنون قريش وأرسلوا وراءهما قصاصي الأثر ليأتوا برسول الله حيا أو ميّتا. وجاء المشركون بالفعل إلى باب الغار، حتى إن أبا بكر كان يخشى أن ينحني أحدهم وينظر في فتحة الغار فيراهما، فطمأنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ''لا تحزن إن الله معنا''. ولكن السؤال المهم هنا هو: لماذا لم ينحن أحد من المشركين لينظر ما إذا كان أحد بداخل الغار؟ والجواب هو أنه قد شُبِّه لهم، أي خُيِّل لهم، أنه لا يوجد أحد في الغار، وذلك بسبب العوامل والمؤثرات التي رأوها فصرفت أذهانهم عن أن يتصوروا أو يتخيلوا وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الغار، وكانت تلك العوامل والمؤثرات هي بيت العنكبوت الذي بنته على فتحة الغار، وبيضة الحمامة التي وضعتها أيضا هناك. كذلك في حالة المسيح صلى الله عليه وسلم ، خُيِّل لهم أنهم قد قاموا بقتل المسيح وصلبه، وذلك بسبب العوامل والمؤثرات التي رأوها، فظنوا أنهم قد قتلوه وصلبوه، ولكنهم في الحقيقة لم يستطيعوا أن يقتلوه ولم يصلبوه. فما هي تلك العوامل التي جعلتهم يتخيلوا أنهم قتلوه وصلبوه؟
أولا: لقد قبض عليه الجند الذين أُرسلوا لإحضاره للمحاكمة، وذلك بعد أن قبّله يهوذا، أحد تلاميذه الذي خانه، وكان قد اتفق مع الجند على أن يلقوا القبض على الشخص الذي يقبّله، وتم هذا العمل أمام الجميع. ورغم أن هذه الواقعة مذكورة في الأناجيل إلا أن هناك اتفاقا عليها، بينما الروايات التي تزعم أن شبهه قد أُلقي على شخص آخر كلها مختلفة، ومتعارضة، فهي تزعم أحيانا أن الذي أُلقي عليه شبهه هو يهوذا الخائن، وأحيانا تقول إنه أحد تلاميذه المخلصين وقد تطوّع لذلك العمل، وأحيانا تذكر أن اسمه سمعان، وأحيانا تقول إنه ليس سمعان ولكنه سرجيوس. وكل هذه الأقوال المتضاربة ليست من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنما ذكرها بعض المفسرين مرددين بعض الأقاويل من الإسرائيليات التي كان الناس يتناقلونها، ومن الواضح أن اختلافها وتناقضها وتعارضها مع بعضها البعض هو أبلغ دليل على كذبها وخطئها وعدم صحتها. ولذلك فلا مانع من أن نقبل رواية الأناجيل في هذا الشأن لأنها تتفق مع ما هو معقول، ولا يوجد اختلاف عليها.
ثانيا: إن الشخص الذي تم القبض عليه أحضروه أمام علماء اليهود في حضور الحاخام الأكبر، وقد سألوه العديد من الأسئلة، وكان يجيب عليهم دون أن يصرخ ويقول لهم إنه ليس المسيح وإنما هو فلان الفلاني، مما يدل على أنه كان بالفعل هو المسيح صلى الله عليه وسلم .
ثالثا: نفس هذا الشخص أحضروه أمام الحاكم الروماني بيلاطس البنطي، الذي تولى محاكمته، وأدرك أنه بريء من التهم التي ألصقها به اليهود. وهنا أيضا لم يصرخ ولم ينف أنه المسيح، ولم يقل إنه شخص آخر غير المسيح.
رابعا: نفس هذا الشخص أخذوه لتنفيذ حكم الصلب عليه، ودقوا في يديه المسامير، وعلقوه بالفعل على الصليب، ومع ذلك لم يبد أي تصرّف يُفهم منه أنه ليس المسيح صلى الله عليه وسلم ، بل كان يدعو الله أن يغفر لهم ويقول إنهم لم يكونوا يعلمون ماذا يفعلون.
خامسا: نفس هذا الشخص كان وهو معلق على الصليب، يتكلم مع أحد اللصين اللذين صُلبا عن يمينه وعن يساره، وكان قد آمن به، فقال له:"غدا تكون معي في الفردوس".