ويرد جناب القمّص بأنه يود أن يذكر بقية الآيات التي تذكر أن المسيح لم يصلب لكي يعرف المشاهد المسلم أن القمّص وفريق العمل الذي يعمل معه مدركون لأبعاد هذه الحقيقة من القرآن، فيذكر سورة النساء الآية 157. وللأسف فإن جناب القمّص لا يذكر الآيات التي يستشهد بها كاملة، وإنما يقتطع منها بعض الكلمات التي ليست على هواه، ولذلك فسوف أقدم للمشاهد الآيات التي ذكرها القمّص كاملة.
يقول تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْج وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمٍ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا إِتِّبَاعِ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا[
ثم يذكر قوله تعالى في الآية 54و55 من سورة آل عمران: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ~ إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِليَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا[
ثم يذكر الآية 33 من سورة مريم حيث يقول تعالى على لسان المسيح ابن مريم وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا[
ثم سورة المائدة الآية 117 التي تقول وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَني كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٍ[.
وبعد ذكر هذه الآيات يدعونا جناب القمّص لسماع رأي فقهاء المفسرين فيقول إن الإمام الرازي في تفسيره الجزء الثاني وصفحة 457 يقول:"روى ابن عباس ومحمد بن اسحاق أن معنى ]مُتَوَفِّيكَ [ أي مميتك"، وقال وهب:"تُوفي المسيح ثلاث ساعات"، وقال ابن اسحاق:"تُوفي سبع ساعات". أما الإمام البيضاوي في تفسيره للقرآن على ذات الاية الجزء الثاني صفحة 128 فيقول: ''قال قوم:"صُلِبَ الناسوت وصعد اللاهوت"''. ويعلق جناب القمّص على هذا التفسير فيقول إن البيضاوي اقترب جدا من الحقيقة، ويستنتج من كلام البيضاوي أن قوله تعالى ] وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ [ وقوله ] وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا[ ينطبق على اللاهوت ولا ينطبق على الناسوت، أي أنهم قتلوا وصلبوا الجزء الإنساني في المسيح، ولكنهم لم يقتلوا ولم يصلبوا الجزء الإلهي المتجسد فيه، إذ يؤكد على أن اللاهوت لا يموت.
ويشرح جناب القمّص اختلاف جوهر اللاهوت عن جوهر الناسوت فيشبه ذلك بالحديد والنار، ويقول إن الحديد يتأثر بالنار فيمكن طرقه وتشكيله، ولكن النار لا تتأثر بهذا الطرق لأنها من جوهر يختلف عن جوهر الحديد، وكذلك فإن اللاهوت المتجسد في المسيح لا يتأثر بالموت ولا بالصلب لأنه من جوهر يختلف عن الناسوت. ويبدو أن جناب القمّص في غاية السرور والسعادة بما نقله البيضاوي في تفسيره، ويعترف بأن ما قاله البيضاوي هو ما يقول به المسيحيون بفارق بسيط، وهو أن اللاهوت لم يصعد لأنه ظل في الناسوت بعد موته وصلبه، فهو لا يحتاج للصعود لأنه موجود في كل مكان.
والغريب أن جناب القمّص يدّعي أنه لا يفسر القرآن برأيه، وأنه يستشهد فقط بأقوال المفسرين، مع أنه من الواضح أنه يفسر بل ويحرّف معاني الآيات والكلمات، ولم يذكر لنا تفسير أحد من العلماء لقوله تعالى وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ[. وقد أعجبه بالطبع القول الذي ذكره البيضاوي نقلا عن"قوم"لم يُعرّفهم لنا ولم يذكر من هم أولئك القوم، فهو لا ينقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينقل عن علماء المسلمين، ولا ينقل عن المفسرين، وإنما ينقل عن"قوم"مجهولين أغلب الظن أنهم من النصارى الذين يؤمنون بموضوع الثالوث المسيحي وتجسد اللاهوت في الناسوت كما يؤمن بذلك جناب القمّص وأتباعه. وهكذا نرى جناب القمّص يستدل بآراء النصارى ليثبت للمسلمين صدق آراء النصارى!! وكما يقول المثل.."شر البلية ما يضحك"!! فلا شك أن المنطق الذي يتّبعه جناب القمّص يثير الضحك والأسى في نفس الوقت، فهو يثير الضحك بسبب وضوح ضحالة وسخافة وعبثية المنطق الذي يتّبعه جناب القمّص، كما أنه يثير الأسى لأن بعض المسلمين يقعون فريسة لهذا المنطق المغلوط، ويصدقون أن هذه الآراء الواهية الخاطئة هي آراء المفسرين المسلمين، فهذا هو ما يحاول جناب القمّص أن يوحي به لمشاهديه من المسلمين.
وتسأل بعد ذلك السيدة ناهد متولي فتقول:"برضه في الآية نفسها بتقول أنه شُبّه لهم، إيه شُبّه لهم دي"؟ فيقول جناب القمّص:"نرجع للإمام الرازي ونشوف شُبّه لهم ده رأيه فيها إيه". وقبل أن يترك كلام البيضاوي لا ينسى أن يكيل له المديح مرة أخرى فيقول:"هوه طبعا البيضاوي فسّر كويس، شُبّه لهم أنهم قتلوا اللاهوت، أو صلبوا اللاهوت، شُبّه لهم، لكن ما اتصلبش في رأي البيضاوي لأنه صعد".