ومن هذا يتبين الخطأ الفادح في كلام القمّص الذي يقول إن التوبة لازمة ولكنها ليست كافية لأنه لا بد من الكفارة، والكفارة كما يفهمها جناب القمّص هي في التعويض، مع أن التعويض لا يجوز إلا في حالة وقوع الضرر، ومن المستحيل أن يقع أي ضرر على الله تعالى بسبب خطية الإنسان. فالكفارة لا تعني التعويض في كل حالة، وإنما تعني التوبة وأداء الصالحات من الأعمال. أما الكفارة التي يحدثنا عنها جناب القمّص، بموت المسيح على الصليب، والتي يدّعي أن فيها تعويضا، فلا نجد فيها تعويضا عن شيء. وجناب القمّص يعلم هذا جيدا، ولذلك نراه يقول إن المسيح مات عوضا عنا، وذلك ليقحم مبدأ التعويض في الكفارة، ولكن المسيح لم يمت"عوضا"عنه وإنما، بفرض موته فعلا على الصليب، فقد مات"بدلا"عنا وليس"عوضا"عنا، وبالتالي فليس في الموضوع كله أي تعويض، والمثال الذي قدمه جناب القمّص عن تحطيم السيارة لا ينطبق، لأن التعويض معناه أن تنال السيدة ناهد متولي ما يعوضها عن سيارتها التي تحطمت، ولكن إذا افترضنا أن الشخص الذي حطم سيارتها يمتلك سيارة مشابهة تماما للسيارة التي تحطمت، فهل التعويض يكون في إعطائها السيارة عوضا عن سيارتها المحطمة، أم يكون في تحطيم سيارته التي يمتلكها؟ وإذا افترضنا أن الشخص الذي حطم سيارتها يمتلك سيارة مشابهة تماما للسيارة التي تحطمت، ولكنه يستطيع أن يعوض السيدة ناهد بسيارة أجمل وأفضل من سيارتها، فهل يكتفي بالتعويض أم يتطلب الأمر أن يحطم سيارته أيضا. المقصود هو أن الله تعالى يستطيع أن يعفو ويغفر ويرحم، وبذلك فإنه يهب الإنسان الحياة الأبدية، وذلك إذا تاب الإنسان عن سيئاته وعمل عملا صالحا، أي عندما يكفّر الإنسان عن سيئاته، فإن الله تعالى بدوره يعفو عنه ويغفر له ويشمله برحمته، أي أنه سبحانه يكفّر عن سيئات الإنسان. إن هذا ما حدث مع آدم صلى الله عليه وسلم ، حسب ما أكده القرآن المجيد، إذ أنه تاب إلى الله تعالى فتاب الله عليه، دون أن يضطر إلى أن يتجسد ويقتحم جسد إنسان، ودون أن يلجأ إلى سفك دم إنسان بريء.
إن العفو عن الذنوب معناه أن يستر الله الذنوب ويمحوها فلا يكون لها أثر يراه الناس، وغفران الذنوب معناه أن يزول أثر الذنوب فلا يكون لها أثر عند الله تعالى. وكل من العفو والغفران هما من رحمة الله التي وسعت كل شيء، فإن الله الرحمن الرحيم قد وسعت رحمته كل شيء، وكل شيء يعني كل شيء بما في ذلك جميع صفاته الأخرى، فإن كل صفة من صفاته تنبثق من صفة الرحمة، وعلى هذا فلا تعارض ولا تناقض بين صفاته، لأنها جميعها تنبثق من الرحمة، حتى ولو كانت تبدو في ظاهرها كما لو أنها تتعارض مع الرحمة، فإن هذا التعارض الظاهري إنما هو نتيجة سوء الفهم. فالله تعالى يصف نفسه بأنه غافرُ الذنب وقابلُ التوب شديدُ العقاب ذو الطَّوْل، وجميع هذه الصفات تنبثق من الرحمة، فمن رحمته أنه يغفر الذنب، ومن رحمته أنه يقبل التوب، ومن رحمته أيضا أنه شديد العقاب، يطول عقابه كل من يستحق العقاب، وذلك لأن الهدف من العقاب عند الله تعالى هو إيصال الرحمة، وليس مجرد الثأر والتشفي. يقول تعالى مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وءَامَنْتُمْ[ (النساء:147) ، أي أن العذاب ليس هو الهدف، وإنما الهدف هو الإيمان بالله وشكر نعمه وأفضاله، فمن يؤمن بالله ويقدّر نعمته وفضله سوف يعامل الناس أيضا بالرحمة، وسوف تتجلى في تصرفاته جميع الصفات الإلهية، أي أنه يتخلق بأخلاق الله تعالى، كما سبق وشرحنا ذلك في حلقة سابقة. كذلك يقول تعالى وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[ (السجدة:21) . وهذه الآية الكريمة تشرح فلسفة العذاب وأهدافه، فالغرض من العذاب هو لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[ أو كما قال الكتاب المقدس"أن يرجع الشرير عن طرقه ويحيا". وعلى هذا فحتى العذاب ينبثق من رحمة الله تعالى، لأن هدفه الإصلاح والتطهير من سموم الإثم، وليس هدفه هو الانتقام أو الثأر، أو توقيع العذاب لمجرد العذاب أو نتيجة لصدور حكم أرعن يفتقد إلى الحكمة والعدل.