والكفارة أيضا عمل يُنسَب إلى العبد كما يُنسب إلى الرب. فالعبد يكفّر عن ذنوبه والله تعالى يكفر عن ذنوب عبده. وتكفير العبد عن ذنوبه يعني أنه يتوب ويأتي من الأعمال الطيبة ما يزيل أثر عمله السيء، وتكفير الله عن ذنوب عبده يعني أنه سبحانه يستر ويغطي ذنوب عبده، أو أنه يعفو عنها ويمحوها، أو أنه يغفرها ويزيل أثرها. أما تكفير العبد عن ذنوبه فهو يتوقف على نوع هذه الذنوب، فإذا كانت هذه الذنوب تتضمن إساءة إلى حقوق الله تعالى فقط، فتكفيرها يقتضي التوبة وأداء الصالحات من الأعمال الحسنة، فالله تعالى يقول: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [ (هود:114) ، كما يقول أيضا: ] إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [ (الفرقان:70) . أما إذا كانت ذنوب العبد تتضمن إساءة إلى حقوق الله تعالى بالإضافة إلى الإساءة إلى حقوق العباد، فتكفيرها يقتضي أيضا التوبة وأداء الصالحات من الأعمال، ولكن يُشترط أن تتضمن هذه الأعمال الصالحة رد حقوق العباد الذين أساء إليهم أو تعويضهم عنها. ومن هنا كانت الآية التي ذكرها جناب القمّص والتي تتضمن كفّارة القسَم. يقول تعالى ] لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [ (المائدة:89) . فالإساءة المذكورة في هذه الآية هي في حق الله تعالى كما أنها في حق المجتمع أيضا، فهي في حق الله تعالى لأن الإنسان لم يحفظ قسمه، والله تعالى يقول وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ[، والتكفير عن الإساءة في حق الله تعالى كما سبق ذكره هو في التوبة وأداء الأعمال الصالحة. كذلك فهي إساءة في حق المجتمع، لأن قوله تعالى ] عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ } يعني صدرت منكم عهود مؤكدة أقسمتم عليها بأغلظ القسم، وهذه العهود المؤكدة بالأقسام تختص عادة بأفراد المجتمع، كأن يقسم الإنسان عمدا في المحكمة، كما ذكر جناب القمّص، ولذلك ينبغي أن تتضمن الأعمال الصالحة التي يقوم بها المرء أداء حق المجتمع. ولما كان حق المجتمع في هذه الحالة ليس شيئا ماديا، أمر الله تعالى بأداء عمل صالح ينفع المجتمع، وقد حدد الله تعالى هذا العمل بإطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لا يستطيع القيام بأحد هذه الأعمال، فعليه على الأقل أن يصوم ثلاثة أيام، فالصيام يؤدي إلى التقوى.
أما إذا حدث أن حطم أحد سيارة السيدة ناهد متولي، فهذا خطأ شخصي نتج عنه خسارة للسيدة ناهد متولي، وينبغي تعويضها عنه، بالإضافة إلى الاعتذار أيضا، ولكنه لا يتضمن إساءة إلى حق الله تعالى، إلا إذا فعله المرء عن قصد وسوء نية، فهنا ينبغي أن يتوب المرء أيضا بالإضافة إلى أداء العمل الصالح الذي يتضمن الاعتذار للسيدة ناهد وتعويضها عن الخسارة التي تكبّدتها.