وكالعادة، فإني أنقل كلام القمّص بنصه ولفظه، وذلك من أجل تحقيق المبدأ الذي يقول:"كلامك يدينك". فهذا مثال صارخ على براعة جناب القمّص في تقديم أفكار صحيحة، تبدو أنها منطقية، ولكنها تقوم على أساس خاطئ، ويخرج منها في النهاية بقاعدة تبدو أنها صحيحة، لأنها مبنية على الأفكار الصحيحة التي قدمها، ولكنها خاطئة لأن أساسها خاطئ، ومع ذلك فإنه يبني على تلك القواعد عقائد في غاية الأهمية. والفكر الصحيح في مقالة القمّص هو أن من يتسبب في الإضرار بشخص آخر فلا بد أن يعوضه عما سببه له من ضرر، ولا يكفي مجرد الاعتذار أو الوعد بعدم تكرار الضرر. أما الأساس الخاطئ فهو أن هذا المثال لا ينطبق على الله تعالى، فلا أحد من المخلوقات مهما كان يستطيع أن يتسبب في الإضرار بالله - عز وجل -، ولو كان هناك إله يصيبه ضرر بسبب السيئات التي ترتكبها مخلوقاته، فإن مثل هذا الإله لا يستحق العبادة، ولا يمكن أن يكون هو الله تعالى الغني عن العالمين.
إن جناب القمّص يقدم لنا صورة غريبة ومستهجنة للمسيحية فيما يختص بأنواع الخطايا والتكفير عنها، وإذا كان جناب القمّص يستنكر على من حطم سيارة السيدة ناهد أن يعتذر فقط عن فعله دون تعويضها، فماذا لو كان قد قال لها إنه سوف يعوضها، وذلك بإنه سوف يحطم رأس ابنه؟ فهل كان هذا يُدخل السرور والرضا في نفس السيدة ناهد؟ أم أنها كانت ستقول عن ذلك الشخص إنه مجنون، فاقد العقل، وإنه ظالم وقاس وقاتل، ذلك الذي يقتل ابنه فداء لسيارة؟
ولكن جناب القمّص يقول إن القرآن الكريم قد أمر بالكفارة، وهو بذلك يريد أن يخدع المشاهد المسلم ويصوّر له الأمور على غير حقيقتها، ويقنعه بضرورة الكفارة من أجل مغفرة الخطايا، حتى يقنعه بعد ذلك بمبدأ الكفارة الخاطئ الذي تقدمه المسيحية المغلوطة التي يؤمن بها. فالكفارة عند جناب القمّص تعني تقديم العوض عن كل خطية مهما كانت، والعوض يجب أن يتضمن سفك الدم، وإلا فإن الإله الذي يقولون عنه إنه إله محبة لا يستطيع أن يغفر الخطية بدون كفارة، وذلك لمجرد جملة ذكرها كاتب مجهول في مقالة قرر بعض الناس أن يعتبروها جزءا من الكتاب المقدس، وهي جملة:"بدون سفك دم لا تحصل مغفرة". ومن الواضح أن جناب القمّص وأتباعه لا يفهمون معنى التوبة ومعنى الكفارة.
أما التوبة فتعني الرجوع أو العودة، وهي عمل يقوم به العبد كما يقوم به الله تعالى. يُقال تاب العبد إلى الله، ويُقال أيضا تاب الله على العبد. وحينما يتوب العبد إلى الله فإنه يعود إليه بعد أن شعر بابتعاده عن الله تعالى لأحد الأسباب التالية: (1) بسبب ارتكابه السيئة، (2) أو بسبب إحساسه بالتقصير في حق الله لأنه لم يستطع أن يوفيه حقه من الشكر على نعمه رغم قيامه بشكره بقلبه وفكره ولسانه وعمله، (3) أو بسبب قصوره البشري الذي يمنعه من أداء ما يود ويتوق أن يؤديه في سبيل الله تعالى ونصرة دينه ونشر توحيده. والسبب الثاني والثالث لا يتضمن أي شر ولا ارتكاب أي سيئة، وإنما هو إحساس العبد بالمزيد من الحب لله تعالى والاعتراف بفضله وإحسانه. وحين يتوب الله تعالى على العبد فإنه يعود إليه بالعفو والمغفرة والرحمة، بمعنى أنه سبحانه يزداد قربا منه. فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ''يقول الله - عز وجل - من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأَزيدُ، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر. ومن تقرّب مني شبرا تقرّبت منه ذراعا، ومن تقرّب مني ذراعا تقرّبت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيَني بقُراب الأرض خطيئة لا يُشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة'' (صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار) . هذا هو إله المحبة الحقيقي، العَفُوُّ الذي يحب العفو، الغفور الذي يتوق إلى المغفرة، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، وليس هو ذلك الإله الذي ينسبون إليه حب سفك الدماء، حتى إنه لا يغفر ولا يرحم بدون سفك الدماء.
ونحن حين نقول ذلك فإننا لا نسيء بكلمة ولا بحرف إلى الله تعالى إله المسيحية الحقة، فإله المسيحية هو إله الإسلام، وهو الله تعالى رب العالمين. فهو الذي قال في الكتاب المقدس إنه يريد رحمة لا ذبيحة، وإنه لا يُسر بموت الشرير وهلاكه، وإنما يريد أن يعود الشرير عن طرقه ويحيا، أي أنه يريد أن يتوب الشرير وينال الحياة الأبدية. أما الضالون من البشر، فهم الذين ينسبون إلى الله أمورا لا تليق به، ولا تتفق مع صفاته القدسية، ولا تتلاءم مع عفوه ومغفرته ورحمته.