فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 4557

بل هذا التدافع بين الفريقين نجد أمثلة عدة تدل عليه؛ حتى في النفس البشرية الواحدة يوجد فيها ما يدل على هذا الصراع والتدافع، فكل امرئٍ فيه نفس أمارة بالسوء تأمر صاحبها بالمنكر والشر، كما قال تعالى:( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (يوسف:53. ونفس لوامة تلوم صاحبها على فعل المنكر وتنهاه عنه .. وهي النفس الرادعة، كما قال تعالى:( وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (القيامة:2. وكلتا النفسين في المرء تعتلجان وتتصارعان وتتدافعان وتتجاذبان إلى أن تغلب إحداهما الأخرى .. فيجد المرء نفسه مشدودًا إما لفعل الخير وإما لفعل الشر؛ بحسب لمن تكون الغلبة.

كذلك الإيمان في القلب فإنه في صعود وهبوط مستمر، بحسب الطوارئ والأعمال التي يقوم بها الإنسان؛ فإن عمل خيرًا ازداد إيمانه وقوي بقدر عمله، وإن عمل شرًا نقص إيمانه وضَعُف بقدر عمله.

حتى الدمَ في جسد الإنسان فيه ـ ما هو معلوم للجميع ـ كرياتٌ تُسمى بكريات البيض؛ هذه الكريات وظيفتها مهاجمة الجراثيم والأدواء إذا ما داهمت جسد الإنسان، والقضاء عليها .. فإن غلبت هذه الكريات الجراثيم الدخيلة .. قوي جسد الإنسان واشتد عوده .. وعادت إليه عافيته .. وإن ضعفت هذه الكريات في المقاومة .. وكانت الغلبة للجراثيم الوافدة .. فحينئذٍ يضعف الجسد وينهار ويموت .. هذا الصراع والتدافع بين الأضاد والمتناقضات نجد عليه أمثلة عدة في كل جزئية من جزئيات حياتنا.

ـ أدلة الواقع على وجود الصراع بين الحضارات.

أما أدلة الواقع الدالة على هذا النوع من الصراع والتدافع بين الحضارات أو بين الأمم والشعوب فحدث عنها ولا حرج؛ فهي أكثر من أن تُحصَر في هذا الموضع، بل أكاد أجزم أن ما من صراع يحدث في العالم إلا ولهذا البعد في الصراع الدور الرئيس والأساس.

... وأنا هنا لا أريد أن أستقرئ التاريخ البعيد لأستخرج منه الأحداث الدالة على هذا النوع من التدافع والصراع، وما أكثرها لو فعلت ـ حتى لا يقول القارئ هذا تاريخ قديم لا حجة فيه، ونحن اليوم نعيش في عصر مختلف؛ عصر الانفتاح والعولمة والتحرر، والديمقراطية .. والتعايش والسلام .. والقانون الدولي .. وهو عصر يختلف كثيرًا عن العصور السالفة للآباء أو الأجداد التي يسودها العنف والتعصب ـ وإنما أريد أن أتناول بعض الأحداث والوقائع التي حصلت في واقعنا المعاصر والمعايش التي لا تزال آثارها جاثمة على صدور العباد .. شاخصة لذوي الأبصار .. والتي لا تخفى على أحدٍ من الناس مهما كان مصابًا بداء الجهل أو النسيان!

(1) السلسلة الصحيحة: 2874. وقوله"فيدخلونهم الإسلام"أي طواعية لا إكراهًا .. إذ لا إكراه في الدين .. لكن القيد والسلاسل والأسر كان سببًا لهم في التعرف على عظمة وأخلاق الإسلام .. ومن ثم الدخول فيه طواعية .. مما أدى بهم إلى دخول الجنة، فرب ضارة نافعة .. وما أكثر ما يتكرر ذلك، هكذا ينبغي أن يُفهم الحديث، وعلى هذا المحمل ينبغي أن يُحمل.

... من ذلك ما حصل ولا يزال يحصل في فلسطين من اغتصاب للحقوق والأرض، وانتهاك للحرمات، وتقتيل وتدمير للبيوت على رؤوس الآمنين من ساكنيها .. وحصار وتجويع للنساء والأطفال .. هل كان سيحصل شيء من ذلك لو كان الشعب الفلسطيني نصرانيًا أو بوذيًا أو ينتمي لأي دين غير دين الإسلام .. وهل كانت أمريكا ومعها الحضارة الغربية النصرانية الديمقراطية .. ستقف منه نفس الموقف الذي تقفه الآن؟!

... لماذا كل هذا التغاضي والتعامي ـ من قبل أمريكا ومعها دول الغرب ـ عما يفعله ويرتكبه الصهاينة اليهود في فلسطين وغير فلسطين من عدوان .. بينما لو فعل المسلمون الفلسطينيون أو غيرهم جزءًا يسيرًا من ذلك ـ من قبيل المعاملة بالمثل، ولاسترداد الحقوق المغتصبة ـ لقامت الحضارة الغربية النصرانية الديمقراطية تهدد وتشجب وتستنكر .. وتتباكى على حقوق الإنسان .. وتتكلم عن وحشية المسلمين؟!

... وما حصل ولا يزال يحصل في أفغانستان من تدمير وتقتيل، وعدوان .. على أيدي الغزاة الأمريكان وحلفائهم .. هل كان سيحصل شيء من ذلك لو كان الشعب الأفغاني نصرانيًا .. أو ينتمي إلى دين غير دين الإسلام .. وهل كانت أمريكا ومعها الحضارة الغربية النصرانية الديمقراطية .. ستقف منه نفس الموقف الذي تقفه الآن؟!

... هل لو كانت دولة الطالبان دولة علمانية .. تسير في ركاب السياسة والإرادة الأمريكية الغربية .. كانت ستُعَامل المعاملة التي عُوملت به؟!

... ما الذي حمل أمريكا ومعها دول الغرب على غزو أفغانستان .. وإسقاط دولة لها كامل السيادة والنفوذ على البلاد .. لتستبدلها بقوة السلاح بدولة عميلة تحكمها شلة من العصابات وقطاع الطرق .. وتجار الحشيش والمخدرات؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت