فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 4557

وكذلك قوله (:"يُوشَكُ الأممُ أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتها"، فقال قائل: ومن قِلة نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللهُ من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن"، فقال: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال:"حُبُّ الدنيا، وكراهية الموت" [(2) ] . هذه هي نتائج ترك العمل بسنة التدافع، والركون إلى وهم تعايش الحضارات .. أن تداعى أمم الكفر والشرك والضلال على أمة الإسلام كما تداعى الأكلة إلى قصعتها .. وقد حصل ذلك .. وها نحن نراه يوميًا أمام أعيننا!"

وقال (:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا"البخاري. وهذا مثل ضُرب لبيان أهمية العمل بسنة التدافع؛ دفع الباطل وأهله بالحق وأهله، فإن تُرك لأهل الباطل الحرية ـ تحت أي زعم كان ـ في أن يخرقوا السفينة .. ويُفسدوا في المجتمعات .. ومن دون أن ينكر عليهم أحد .. هلكوا جميعًا الصالحون والطالحون، والمذنب وغير المذنب، وإن أخذوا على أيديهم بالزجر والمنع والنهي .. وإن حصل نوع صدام وآلام وجراح .. نجوا جميعًا!

قال تعالى:( الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج:41. هذا هو الغرض من التمكين؛ تمكين المؤمنين في الأرض؛ أن يفردوا الله تعالى في العبادة، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر .. فإن تعطل العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. فُقِد المبرر من التمكين.

وفي الأثر المشهور عن الصحابي ربعي بن عامر ( عندما قال لرستم قائد جيش الفرس، بعد أن سأله الآخر عن السبب من وراء خروجهم لقتال فارس:"لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة". هذه هي مبررات وغايات التمكين والصراع عند المسلمين؛ فهم لا يعرفون أطماعًا خاصة ولا شخصية .. كما هو الحال عند الآخرين .. بل هدفهم الأسمى تحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .. ليعيشوا جميعًا في سلم وسلام وعدل الإسلام.

ـ الأدلة العقلية على وجود الصراع بين الحضارات.

فإن قيل: قد تناولت موضوع سنة التدافع والصراع بين الحضارات، أو بين الحق والباطل من وجهة نظر النصوص الشرعية وحسب .. فهلاَّ أشرت للأدلة العقلية .. وكذلك الادلة الواقعية المُشاهدة الدالة على ما تقدم ذكره وبيانه في النصوص والنقولات الشرعية؟

(1) أخرجه أحمد، وأبو داود، وغيرهما، السلسلة الصحيحة:11.

(2) أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: 958.

أقول: لا تعارض بين العقل والنقل .. فما يقرره النقل الصحيح يوافقه العقل السليم ولا بد؛ فالعقل يقضي باستحالة تعايش الشيء وضده في آنٍ ومكانٍ معًا، وإقرار كل منهما للآخر طواعية .. كتعايش الحق والباطل .. والتوحيد والشرك .. والإيمان والكفر .. والفضيلة والرذيلة .. والطهر والنجاسة .. والوفاء والغدر .. والأمانة والخيانة .. والصدق والكذب .. والظلم والعدل .. والفساد والإصلاح .. والتخريب والإعمار .. لذا كان لتحقيق التعايش بينهما لا بد من أن يعمل كل طرف منهما على أطر الطرف الآخر إلى ساحته وقوانينه وطريقته ومنهجه .. وهذا لا يتحقق إلا إذا تخلى كل طرف منهما عما يتصف به من خصال وخلال لصالح الطرف الآخر .. لكن طرف الحق ـ مهما حاول أهل الباطل واجتهدوا ومكروا مكرًا كبَّارًا ـ لا يمكن أن ينصاع للباطل وقوانينه وطريقته ومنهجه في هذه الحياة .. ولا الباطل ـ بكل صنوفه وجيوشه وطوائفه ومذاهبه ـ يرضى كذلك أن ينصاع طواعية للحق .. مع محافظته على باطله وطغيانه وظلمه، ومصالحه الذاتية وما عُرف عنه من خِلالٍ مشينة .. من هنا تأتي الضرورة الملحة لعملية التدافع والصراع بين المنهجين والتيارين .. وهذا الذي يُعرَف اليومَ بصراع الحضارات .. حضارة الحق وأهله من جهة وحضارة الباطل وأهله بكل جيوشهم وتياراتهم ومذاهبهم من جهة أخرى!

وفي الحديث، فقد صح عن النبي ( أنه قال:"عجبت لأقوام يُساقون إلى الجنة في السلاسل". وفي رواية:"رأيت ناسًا من أمتي يُساقون إلى الجنة بالسلاسل، ما أكرهها إليهم! قلنا من هم؟ قال: قوم من العجم يسبيهم المهاجرون فيدخلونهم الإسلام" [(1) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت