وقاعدته هنا فيما يرى له حق الاجتهاد فيه، ألا يعارض لنص قرآني، أو قاعدة شرعية، يقول: (إن الإطار العلمي الديني للاجتهاد، هو عدم معارضته لنص قرآني، أو قاعدة شرعية مع تحقيقه المصلحة العامة) (46) .
وعلى هذا فتحقيق المصلحة عنده مقدمة على نصوص السنة، حيث لم يأت لها بذكر هنا في شروطه .
وفي موضع آخر يؤكد ضرورة مراعاة المصلحة، فيقول: (وقد بلغت ضرورة مراعاة مصلحة المجتمع إلى حد أن إمامين كبيرين من أئمة الفقه والفكر الإسلامي، وهو الإمام الطوفي الحنبلي المتوفى سنة 716هـ، وحجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ- 1111م، يقرران: أنه إذا عارضت مصلحة حكمًا ثبت بالنص والإجماع، فإن هذا في الحقيقة تعارض بين مصلحتين: مصلحة حكم النص والإجماع، والمصلحة العارضة، فإذا ترجحت المصلحة العارضة بمرجحاته المعتبرة، روعيت المصلحة المعارضة، وعدل عن النص والإجماع) (47) .
وينتصر لما ذهب إليه الطوفي من رأي شاذ فيقول:(لكن الذي جر على الطوفي بعض المتاعب، وأثار الاعتراضات، هو قوله: بأن النص والإجماع إذا عارضتهما المصلحة الراجحة، قدمت رعاية المصلحة على طريق البيان أو التخصيص للنص .
مع أن الطوفي بهذا لم يأت بجديد. لأنها قضية معمول بها منذ عهد الصحابة، لكن التصريح بهذا ربما يكون هو الجديد .. والعادة جرت على أن الناس ترى أو تعمل الشيء أحيانًا، لكنها تكره التصريح به .. ) (48) .
ثم يقول:(وهذا الذي صرح به الطوفي، قد مارسه الصحابة والتابعون عمليًا في حياتهم، وكل الفقهاء يُقِرُّون هذا، ويقررونه في كتبهم، عند الكلام عن اجتهاد الصحابة والتابعين والأئمة من بعدهم.. فكانت الغرابة أن ينزعج بعضهم مما قرره الطوفي !!
فما وجه الإنكار - إذن - على الطوفي والتنديد به. وهو لم يزد على أن استخلص قضية من أعمال واجتهادات الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ وأسمعها الآذان ووضعها أمام الأنظار؟) (49) .
وهذا كلام صريح من عبدالمنعم النمر على موافقة الطوفي في قوله الشاذ، ولو كان صحيحًا أنها قضية معمول بها في اجتهادات الصحابة والتابعين لما عَدَّها أهل العلم رأيًا شاذًا.
وممن قالوا بتقديم المصلحة على النص والإجماع محمد عمارة، وهذا قوله: (فالحكم المجمع عليه، والمؤسس إجماعه على نص قطعي الدلالة والثبوت، إذا كان متعلقًا بعلة غائبة تبدلت أو بعادة تغيرت أو بعرف تطور - أي إذا لم يعد محققًا للمقصد منه، وهو المصلحة - فلابد من الاجتهاد فيه ومعه، اجتهادًا يثمر حكمًا جديدًا، يحقق «المقصد - المصلحة » ) (50) ، وهذا هو الدوران مع المصلحة .
وفي مقال بعنوان « وثنيون هم عبدة النصوص » لفهمي هويدي، يرى أن تقديم النص على المصلحة والاستمساك به في أي ظرف وثنية جديدة، ويتسائل ما العمل إذا لم تحقق النصوص تحت أي ظرف مقاصد الشريعة، وبدا أن هناك تعارضًا بينهما؟ ويجيب أن الثابت عند أغلب الفقهاء أن المصلحة تُقدَّم على النص (51) .
وفي موضع آخر يقول تحت عنوان فقهاء السلف جاروا على المصلحة: (لم يعد أحد يجادل في اعتبار المصلحة كأحد مصادر التشريع، فقد استقر الأمر على نحو بعيد لصالح المصلحة وترجيحها. حتى شاعت مقولة « حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله » ) (52) .
ويقول: (... إن مدونات أهل السنة أغمطت المصلحة حقها، بحيث لم تعطها نصيبها الذي يتناسب مع مكانتها الجليلة في الشريعة ... ولقد أدى التضييق وعدم العناية باعتبار المصالح إلى تحريم الأشياء بأدنى الشبهات) .
ويبين(أن المشكل الذي هو مثار الجدل، يتمثل في افتراض تعارض المصلحة مع الدليل الشرعي.
ذلك أن الأغلبية الساحقة من الفقهاء المعتبرين، تُعارِض رأي الطوفي في تغليب المصلحة في المعاملات على الدليل الشرعي على الإطلاق، أي بغير ضابط ولا رابط) (53) .
ويرى هويدي أن معالجة التعارض بين المصلحة والنص يكون بالمنطوق التالي: (إن الحكم الشرعي في المعاملات إذا ثبت بنص قطعي أو بإجماع صريح يطمأن إليه، لا يعدل عنه إلى حكم غيره إلا في حالتين: إذا كانت المصلحة المستفادة من النص أو الإجماع مما بتغير في معاملات الناس - أو إذا قضت بهذا العدول ضرورة، لأن مواضع الضرورات مستثناة بالنص. أما النصوص التي لا تتغير مصالحها، كنصوص حِلّ البيع والإجارة والرهن وحرمة الربا والغضب، فلا عبرة بالمصلحة المظنونة في مقابلتها) (54) .
وهذا المنطوق الذي يقول به، ما هو إلا محاولة لتبرير رأيه في مخالفة النص القطعي والإجماع الصريح وتقديم المصلحة عليه .
وهذا محمد سليم العوا، الذي سبق ذكر قوله عند حديثه عما هو شرع دائم، يبالغ في مكانة المصلحة، فيقول: (... وإنما كان الشرع الدائم هو تحقيق مصلحة الأمة، التي ما بعث الله الرسل في أي أمة كانوا إلا لتحقيقها، فأينما تبين وجهها فثم شرع الله ودينه) (55) .
الرد: