يقول: «اعلم أن هذه الطريقة إذا ذكرناها مستفيدين لها من الحديث المذكور - حديث لا ضرر ولا ضرار- ليست هي القول بالمصالح المرسلة (40) على ما ذهب إليه مالك، بل هي أبلغ من ذلك، وهي التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات، وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام... فالمصلحة وباقي أدلة الشرع، إما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا فبها ونعمت، وإن اختلفا وتعذر الجمع بينهما قدمت المصلحة عليها... وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات ونحوها دون العبادات وشبهها؛ لأن العبادات حق للشرع خاص به، ولا يمكن معرفة حقه كما وكيفًا وزمانًا ومكانًا إلا من جهته، فيأتي به العبد على ما رسم له... وهذا بخلاف حقوق المكلفين فإن أحكامها سياسة شرعية، وضعت لمصالحهم فكانت هي المعتبرة وعلى تحصيلها المعول... ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فلتؤخذ من أدلته، لأنا قد قررنا أن رعاية المصلحة من أدلة الشرع وهي أقواها وأخصها، فلنقدمها في تحصيل المنافع) (41) .
قلت: هذا القول الشاذ والرأي الساقط، لو كان صادرًا من أحد الأئمة المعتبرين - وحاشاهم أن يصدر منهم مثل هذا الهراء- لما كان فيه حجة لأن الله لم يتعبدنا بسقطات وهفوات العلماء الأخيار، دعك من هؤلاء الأغمار المبتدعين، دعك عن رجل شيعي.
والعجب كل العجب من صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا -سامحه الله- حيث اعتبر أن هذا القول الشاذ سبق تحمد على نشره مجلته، وما علم أن ذلك وزر عظيم، إذ ليس هناك ذنب أكبر بعد الإشراك بالله من نشر البدع وإشاعتها، خاصة بين الجهلة الذين لا يميزون بين الحق والباطل، والغث والسمين، والبدعة والسنة.
وقد أتي الشيخ محمد رشيد من قبل مداخلته لمحمد عبده وتتلمذة على يديه وهو الذي أفسد عقول الكثيرين، ولا تزال آراؤه تفسد وتخرب، وأي علم يمكن أن يستفاد من أمثال هؤلاء سوى التحلل من أواصر الدين والتمكين لشبه المستشرقين؟ ورحمة الله على من قال: «إن هذا العلم دين، فلينظر أحدكم ممن يتلقى دينه» .
دينك هو رأس مالك أيها الأخ الكريم فلا تتلاعب به، ولا تأخذ عن هؤلاء الأغرار فإنهم والله أجهل الناس بالدين مع سوء قصدهم وقلة أدبهم.
وما قول الطوفي هذا، وقول خان، والدواليبي، وكل من لفَّ لفهم إلا سواء، لا ميزة لسابقهم على لاحقهم إلا أن السابق منهم يتحمل من الوزر والإثم مثل أوزار من أضلهم بهذه الأقوال وأزاغ قلوبهم بتلك الشبه، دون أن ينقص من أوزارهم شيئًا.
فهنيئًا للطوفي بهذا، وليعلم الجميع أن الله حافظ لدينه ومبلغ لأمره، وستظل النصوص هي الحكم لأنها هي عين المصلحة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
( المرجع: مناقشة هادئة لبعض أفكار الدكتور الترابي ، الأمين الحاج محمد أحمد ،ص 103-122) .
وقال الأستاذ سعيد الزهراني ردًا على هذه الشبهة:
(القول بالدوران مع المصلحة لم يُبق شيئًا من أحكام الشرع غير خاضع للاجتهاد، حتى ولو كان ثابتًا بالنص القطعي الدلالة والثبوت، ومجمع عليه كما سيتبين بعد قليل .
والقول بتخطي النص والإجماع، من أجل تحقيق المصلحة بدعة، أظهرها نجم الدين الطوفي (42) المتوفى سنة 716هـ، الذي يقول بعد أن عدد أدلة الشرع: (وهذه الأدلة ... وأقواها النص والإجماع. ثم هما إما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها، فإن وافقاها فبها ونعمت، ولا نزع إذ قد اتفقت الأدلة الثلاثة على الحكم: النص والإجماع ورعاية المصلحة المستفادة من قوله - عليه السلام: « لا ضرر ولا ضرار » وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما ... ) (43) .
هذا هو رأي الطوفي في المصلحة، والعلماء قديمًا وحديثًا على أن هذا الرأي قول شاذ. ومع هذا فقد قال به بعض المفكرين المعاصرين، وأصبح مبررًا لهم لإخضاع الأحكام التشريعية للاجتهاد، حتى لو كانت ثابتة بالنصوص، والإجماع منعقد عليها .
وهذه بعض الأمثلة من أقوالهم توضح ذلك:
فالدكتور عبدالمنعم النمر يبدأ بتقرير أن أحاديث المعاملات كالبيع والشراء والإجارة، التي صدرت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم تكن عن وحي، وإنما كانت بناء على نظرة الرسول لتحقيق مصالح الناس، ثم يقول: (ولذلك لم يكن الرسول يتردد في تغيير حكمه الأول، إذا ظهر أنه لم يحقق مصالح الناس، ولم يقطع النزاع، ويحكم بحكم جديد يوفر المصلحة على ضوء الواقع والتجربة...) (44) .
فبإخراجه أحاديث المعاملات من أن تكون عن وحي، والسعي للدوران مع المصلحة، لا مانع عنده من الاجتهاد، ولو أدى اجتهاده إلى غير ما قرره الرسول باجتهاده على ضوء الواقع أمامه وبعيدًا عن الوحي، حكما ثابتا للأبد، لا يجوز لأحد بعده أن يتصرف فيه، حتى ولو كانت الظروف الجديدة ومصلحة الناس في ظلها، تحتم هذا التغيير ؟
إن العقل المجرد في هذه الحالة يقول: إن التغيير ممكن، بل قد يكون لازمًا حين تقتضيه المصلحة ... ) (45) .