المثال الرابع (30) : أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة، فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنما عليهم صاع من قوتهم، كمن قوتهم الذرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتهم من غير الحبوب كالبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنًا ما كان، هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال غيره، إذ المقصود سد خلة المساكين يوم العيد، ومواساتهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم، وعلى هذا فيجزئ إخراج الدقيق وإن لم يصح فيه حديث، وأما إخراج الخبز والطعام فإنه وأن كان أنفع للمساكين لقلة المؤنة والكلفة فيه فقد يكون الحب أنفع لهم لطول بقائه وأنه يتأتى منه مالا يتأتى من الخبز والطعام) (31) .
المثال الخامس: ويعتمد على أن الضرورات تبيح المحظورات، وهي قاعدة عظيمة من قواعد الشرع مفادها رفع الحرج عن عباد الله لأن الله ما جعل عليهم في الدين من حرج، وقد مثل به ابن القيم لبيان مراده. فقال:
(إن النبي صلى الله عليه وسلم منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر، وقال: «اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» فظن من ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال(32) والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز، ولا بين زمن إمكان الاحتباس لها حتى تطهر وتطوف وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك. وتمسك بظاهر النص ورأى منافاة الحيض لعبادة الطواف كمنافاة للصلاة والصيام، وأن نهي الحائض عن الجميع سواء، ونازعهم في ذلك فريقان: أحدهما صحح الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا الحيض مانعًا من صحته، بل جعلوا الطهارة واجبة تجبر بالدم ويصح الطواف بدونها كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أنصهما عنه...
والفريق الثاني: جعلوا وجوب الطهارة للطواف واشتراطها بمنزلة وجوب السترة واشتراطها، بل بمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة وتسقط مع العجز.
إلى أن قال:
قالوا: وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تحتبس أمراء الحج للحيض حتى يطهرن ويطفن، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن صفية وقد حاضت: «أحابستنا هي؟» قالوا: «إنها قد أفاضت، قال: «فلتنفر إذًا» وحينئذ كانت الطهارة مقدورة لها يمكنها الطواف بها. فأما في الأزمان التي يتعذر إقامة الركب لأجل الحيَّض فلا تخلو من ثمانية أقسام (33) » (34) .
وهكذا نرى أنه لا علاقة البتة بين ما ذهب إليه ابن القيم وما ذهب إليه هؤلاء من جعل المصلحة هي الحاكمة على النصوص، هذه المصلحة المزعومة التي لم يلتفت إليها أحد من علماء الأمة طيلة هذه المدة ثم جاء ليكشفها سيد أحمد خان صاحب اللسان الأعجمي والقلب المفتون.
الشبهة الخامسة (35) : رأي شاذ مهجور لرجل نكرة مبتدع يُدعى الطوفي:
يقول الأستاذ بسطامي: (أسلفنا القول أن الحكم الذي جاء به نص حكم ثابت لا يتغير لأن المصلحة التي يحققها مصلحة ثابتة لا تتغير، وقد ظل هذا هو الرأي السائد الوحيد بين الدوائر العلمية، لا يشذ عنه فقيه ولا يعرف(36) أحد رأيًا غيره، حتى نشرت مجلة المنار في أوائل هذا القرن رأيًا مهجورًا لأحد فقهاء القرن السابع الهجري، وهو نجم الدين الطوفي ذكرت المجلة أنه تحدث عن المصلحة بما لم تر مثله لغيره من الفقهاء (37) .
فمن هو الطوفي هذا؟ وما رأيه الذي شذ به عن بقية الفقهاء؟ تذكر المصادر التي ترجمت لحياة الطوفي أنه كان من فقهاء الحنابلة وتصفه بالعلم والصلاح والفضل، ولكن هذه المصادر ذاتها تلقي ظلالًا على انحراف منهجه في التفكير، وتتهمه بالتشيع والرفض وسب الصحابة (38) . وتجعل ذلك سببًا للثائرة التي ثارت عليه حين كان في القاهرة فانتقل منها إلى بلدة صغيرة.
وإذا كان البعض يشكك في صحة ما اتهم به ويبرئ ساحته إلا أن كل الكتابات قديمًا وحديثًا تتفق على أن رأيه في المصلحة رأي شاذ لم يعرف قبله، ولم يتابعه فيه أحد بعده إلا بعض المعاصرين (39) . وقد يكون الشذوذ وحده ليس عيبًا.
إلى أن قال:
أوضح الطوفي رأيه في المصلحة في ثنايا شرحه لأحد الأحاديث الأربعينية وهو حديث «لا ضرر ولا ضرار» ، وخلاصة رأيه أن المصلحة أقوى من مصادر التشريع، بل هي أقوى من النص والإجماع إذا عارضتها.