فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 4557

فقال لابنة حفصة امرأة سعد: أطلقيني ولك- والله عليَّ- إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، فإن قتلت استرحتم مني. قال: فحلته حتى التقى الناس، وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال وصعدوا به فوق العُذَيْب (25) ينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فوثب أبو محجَن على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحًا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، جعل الناس يقولون: الصبر صبر البلقاء، والظفر ظفر أبي محجَن، وأبو محجَن في القيد، فلما هزم العدو. رجع أبو محجَن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنه حفصة سعدًا بما كان من أمره. فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاه، فخلى سبيله، فقال أبو محجَن: قد كنت أشربها إذ يُقام عليَّ الحدُّ وأطهر منها، فأما إذ بَهْرَجْتَنى والله، لا أشربها أبدًا، وقوله: «إذا بَهْرَجْتَنى» أهدرتني بإسقاط الحد عني، ومنه «بهرج الدمَ ابنُ الحارث» أي أبطله، وليس في هذا ما يخالف نصًا ولا قياسًا، ولا قاعدة من قواعد الشرع ولا إجماعًا، بل لو ادعى أنه إجماع الصحابة كان أصواب.

قال الشيخ في المغني: وهذا اتفاق لم يظهر خلافه.

قلت: أكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة (26) راجحة. إما لحاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يُؤخر (27) عن الحامل والمرضع عن وقت الحر والبرد والمرض فهذا تأخير لمصلحة المحدود. فتأخير لمصلحة الإسلام أولى.

فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد: «والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهما» فأسقط عنه الحد؟ قيل: قد يتمسك بهذا من يقول: «لا حد على مسلم في دار الحرب» كما يقوله أبو حنيفة. ولا حجة فيه، والظاهر أن سعدًا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى، فإنه لما رأى من تأثير أبي محجَن في الدين وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى درأَ عنه الحد، لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة وجعلتها كقطرة نجسة وقعت في بَحر، ولاسيما قد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال) (28) .

قلت: لعل سعدًا فهم من الحديث أن الحد يسقط في دار الحرب وليس يؤجل ويؤخر إلى حين رجوع الجيش، وربما كان هذا اجتهادًا من سعد، وقول الصحابي إذا خالف غيره ليس حجة، والمهم أن الحد إذا وصل إلى الحاكم فلا مجال لإسقاطه أبدًا، أما قبل ذلك فهو غير مسؤول عما لم يحط به علمًا. ولذلك عندما أراد صفوان بن أمية أن يعفو عن سارق ردائه بعد أن وصل أمره إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأراد قطع يده فقال: «قد وهبته له» لم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك منه وقال ما معناه: هلا كان هذا العفو قبل ذلك؟ أما الآن فلا.

وكذلك عندما جاء أسامة بن زيد يشفع للمرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده بعد أن وصل أمرها إليه قال له: «أتشفع في حد من حدود الله؟ والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» أو كما قال.

أما قياس ابن القيم رحمه الله ما قاله سعد بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد عندما قتل النفر من بني خزيمة عام الفتح «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» ولم يبرأ من خالد (29) - فهو قياس مع الفارق، لأن خالدًا رضي الله عنه كان متأولًا وظانًا أنهم كفار لأنهم قالوا «صبأنا» ولم يعرفوا أن يقولوا «أسلمنا» فظن أنهم على الشرك، أما أبو محجَن فلم يكن متأولًا.

وكذلك التوبة لا تسقط الحد، ولو كانت التوبة تسقط الحد لأسقطه صلى الله عليه وسلم عن تلك الصحابية التي اعترفت بزناها دون أن يراها أو يعلم بها أحد، فأقام عليها الحد وقد قال عنها: لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لو سعتهم.

فالتوبة النصوح تفيد في الآخرة ولكنها لا تسقط حدًا أبدًا، وقد قلت هذا ردًا على ما قاله ابن القيم رحمه الله في هذا الموضوع من أن التائب يمكن أن يسقط عنه الحد معللًا لمقولة سعد.

المثال الثالث: هو عبارة عن قياس وإلحاق لبعض النظائر ببعض، وهذا لا غبار عليه ولا معارضة فيه لنص كما يقول العصرانيون.

قال ابن القيم تحت عنوان «فصل: صدقة الفطر حسب قوت المخرجين» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت