هذه نماذج من أقوال هؤلاء المفكرين يتبين منها كيف جعلوا السعي لتحقيق المصلحة مطلبًا أساسيًا، من أجله ردوا النصوص الثابتة، وتخطوا ما أجمعت عليه الأمة من أحكام تشريعية وفتحوا بذلك بابًا واسعًا لرد ما أرادوا من الأحكام، وقبول ما أرادوا تحت تبرير شرعية الاجتهاد، فيما يحقق المصلحة، ويمكن بيان فساد قولهم في النقاط التالية:
1 -لم يفرق أصحاب هذه الاتجاه بين ما شهد الشرع باعتباره من المصالح وغيرها. فالمصلحة من حيث شهادة الشرع لها إما أن تكون مصلحة معتبرة، أو مصلحة ملغاة، أو مصلحة مسكوت عنها (56) .
والمصلحة الملغاة هي ما شهد الشرع ببطلانها، بوجود نص يدل على حكم في الواقعة، يناقض الحكم الذي تمليه المصلحة (57) .
وقول هؤلاء المفكرون بتقديم المصلحة على النص القطعي الدلالة والثبوت، مناقَضة لأحكام ثابتة بالنصوص، بما تمليه مصلحة متوهمة والعلماء المعتبرين لم يعملوا بمصلحة في مقابل نص شرعي، (لأن العمل بالمصلحة في مقابلة هذا النص «يغير النص » أو «يصدم النص » أو «يرفع حكم النص » أو «يناقض النص » أو «يخالف النص » أو «يحرف النص» وقد قرر الغزالي أن المصلحة التي هذا شأنها مصلحة ملغاة) (58) .
2 -مما هو متفق عليه أن الشريعة إنما جاءت لتحقيق المصالح وعلى هذا فكيف يصح أن يقال أن في نصوص الشرع الثابتة، أو مسائل الإجماع ما قد يصادم المصلحة، ولذلك نحتاج إلى تقديم المصلحة عليها ؟
3 -من الانحراف البّين أن جعل هؤلاء المفكرون لعقولهم تحديد المصالح، وأخلوا بضوابط المصلحة المعتبرة، التي قررها أهل العلم، وتتلخص فيما ذكره البوطي بقوله: (المصلحة المعتبر شرعًا ينبغي أن تكون غير مخالفة لكتاب الله ولا لسنة رسول الله، ولا للإجماع أو القياس الصحيح، وأن لا تكون مُفَوِّتَة لمصلحة مساوية لها أو أهم منها) (59) .
بالإضافة إلى ضابط آخر وهو أن يوكل تقدير المصلحة إلى المجتهدين من العلماء.
وواقع هؤلاء المفكرين يخالف هذه الضوابط ولا يعبأون بها كثيرًا، ومثال ذلك أنهم هم الذين يقدرون المصلحة مع قصر باعهم في العلم الشرعي، ويرون أن تقدير غيرهم من العلماء المعتبرين يتسم بالجمود والقصور عن معرفة حاجة العصر ومتطلباته المستجدة .
4 -أن رأي الطوفي الذي يستند إليه من قال بتقديم المصلحة على النص، قول شاذ، كما قرر أهل العلم ذلك، وقد رد عليه كثير من العلماء وشنعوا عليه. يقول عنه أبو زهرة: (إن مهاجمته للنصوص، ونشرة فكرة نسخها، أو تخصيصها بالمصالح هي أسلو شيعي، أُريد به تهوين القدسية التي يعطيها الجماعة الإسلامية لنصوص الشارع. والشيعة الإمامية يرون أن باب النسخ والتخصيص لم يغلق، لأن الشارع الحكيم جاء بشرعة لمصالح الناس في الدنيا والآخرة، وأدرى الناس بذلك الإمام، فله أن يخصص كما خصص النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه وصى أوصيائه. وقد أتى الطوفي بالفكرة كلها، وإن لم يذكر كلمة الإمام، ليروج القول، وتنتشر الفكرة) (60) .
ويقول عبدالوهاب خلاف: (إن الطوفي الذي يحتج بالمصلحة المرسلة إطلاقًا فيما لا نص فيه، وفيما فيه نص، فتح بابًا للقضاء على النصوص، وجعل حكم النص أو الإجماع عرضة للنسخ بالرأي، لأن اعتبار المصلحة ما هو إلا مجرد رأي وتقدير، وربما قدر العقل مصلحة بالروية والبحث يقدرها مفسدة. فتعريض النصوص لنسخ أحكامها بالآراء وتقدير العقول خطر على الشرائع الإلهية، وعلى كل القوانين) (61) .
ويقول يوسف كمال: (وقد أُتهم الطوفي من البعض بالتشيع والرفض وسب الصحابة، والعلماء على أن رأيه في المصلحة شاذ ولم يعرف قبله ولم يتابعه بعده أحد إلا بعض المعاصرين) (62) .
وبعد هذا كيف يصح أن يكون قول الطوفي هو القول المعتمد وتُرد أقوال العلماء المعتبرين؟
5 -يرد على القائلين بتقديم المصلحة على النص، بمثال تطبيقي، وهو موقف عمر من أبي بكر في حرب الردة، حيث فيه مقابلة المجتهد النص بالمصلحة. فعمر قال: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله » . قال أبو بكر: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ... » .
وسأل الناس أبا بكر في رد جيش أسامة ليستعين به على قتال أهل الردة، فأبى، والذين سألوه ذلك إنما أرادوا العمل بالمصلحة، وهي من ظنهم بقاء الجيش ليقاتل مع المسلمين، ولما بين لهم أبو بكر أن ما يرونه إنما هو مخالف لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركوا ما ظنوه مصلحة - وهم مجتهدون - وعملوا بما ورد في النص ) .