عذرًا للإطالة، وإنما كان غرضي بيان أن السبب الحقيقي لرفع مثل هذه الشعارات ليس دليلًا نقليًا ولا عقليًا، وإنما هو تقليد الكفار وتنفيذ مخططاتهم، فما العصرانيون إلا ممثلون يقومون بأدوار مرسومة لا يستطيعون التخلي عنها منهم من يحسن التمثيل، ومنهم من لا يحسنه، وما رفعهم لهذه الشبه إلا من باب التدليس وذر الرماد على العيون.
نعود إلى تلك الشبه الممجوجة المكررة التي يتشبث بها هؤلاء، فنقول:
الشبهة الأولى: التشبث بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» (11) :
نعم، لا ضرر ولا ضرار، ولكن هل هناك ضرر وضرار أكبر من رد النصوص الصحيحة الصريحة؟ وهل هناك أرحم من رب العالمين الذي شرع ذلك وأمر بالتزامه؟ وأي ضرر في الالتزام بمنهج الله الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله:(واختلفوا هل بين اللفظين أعني الضرر والضرار فرق أم لا؟ فمنهم من قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد، والمشهور أن بينهما فرقًا. ثم قيل إن الضرر هو الاسم، والضرار: الفعل، فالمعنى أن الضرر نفسه منتفٍ في الشرع، وإدخال الضرر بغير حق كذلك.
وقيل الضرر أن يدخل على غيره ضررًا بما ينتفع هو به، والضرار أن يدخل على غيره ضرارًا بما لا منفعة له به، كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع، ورجح هذا القول طائفة منهم ابن عبد البر وابن الصلاح.
وقيل الضرر: أن يضر بمن لا يضره، والضرار أن يضر بمن قد أضر به على وجه غير جائز.
وبكل حال فالنبي صلى الله عليه وسلم نفى الضرر والضرار بغير حق.
فأما إدخال الضرر على أحد بحق. إما لكونه تعدى حدود الله فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره، فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهو غير مراد قطعًا، وإنما المراد إلحاق الضرر بغير حق وهذا على نوعين:
أحدهما: ألا يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه...
والنوع الثاني: أن يكون له غرض آخر صحيح، مثل أن يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له، فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه توفيرًا له، فيتضرر الممنوع بذلك) (12) .
هذا هو مراد الحديث كما بينه هذا العالم الرباني رحمه الله، أما استدلالهم به على عدم إقامة حد الرجم على الزاني المحصن، أو حد القطع على السارق بعد إقامة البينة، واستيفاء الشروط، فهذا هو عين الضرر على الفرد نفسه وعلى المجتمع بأسره، فما هذه الرحمة التي فاقت رحمة رب العالمين ولكنها على العصاة والزناة والمجرمين؟ تبًا لهم وتبًا لمقالتهم هذه، وخاب فألهم وفأل أسيادهم من أعداء الملة والدين.
ألم أقل لكم إن القوم ناكثون للعهد، جاهلون بالشرع، ليس عندهم مسحة من فقه؟
الشبهة الثانية: التشبث بالقاعدة الأصولية: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان » (13) :
هذه القاعدة كذلك لا تدل أدنى دلالة على ما ذهبوا إليه من التلاعب بالنصوص الشرعية، إذ لا اجتهاد مع النص، إنما تتناول هذه القاعدة المسائل الاجتهادية والفرعية التي ليس فيها نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع فهذه هي التي لا ينكر تغير الاجتهاد فيها حسب الظروف والملابسات والمستجدات.
فما لهؤلاء والقواعد الأصولية البالية؟! هل هناك خيار وفقوس، فما كان موافقًا للهوى من كلام الأصوليين قُبل وتلقف وما لم يوافق الهوى ويسبب الحرج مع الكفار رُد؟ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا؟
{ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (14) .
نعم، القلوب مريضة ومرتابة، نسأل الله لنا ولهم الهداية والرشاد.
تشبثهم باجتهادات عمر رضي الله عنه:
ما لهؤلاء القوم واجتهادات عمر؟ وما لهم ولعمر ولمنهج عمر؟ إنهم مخالفون له مخالفة كاملة، إنهم يريدون أن يبنوا منهجهم على أنقاض ما بناه عمر وغيره من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وحاشا عمر أن يسن سنة يقتدي بها مبتدع.
1-يقولون أن عمر لم يعط المؤلفة قلوبهم من مال الزكاة، ويعتقدون أنه عطل هذا المصرف لمصلحة رآها بعد تغير الظروف. وليس الأمر كما زعموا، ولكن الإسلام في عهد عمر عز بأهله ولم يعد بحاجة إلى من يتألفهم. وعمر رضي الله عنه لم يعطل نصًا فالنص باقٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يستطيع عمر ولا غير عمر أن يفعل ذلك أو يتجزأ عليه إلا شقيًا تعيسًا، ولكن لعدم وجود هذا الصنف من مستحقي الزكاة صرف عمر الزكاة في المصارف الأخرى، حيث يجوز صرف الزكاة في مصرف واحد أو مصرفين أو أكثر.
2-يقولون: لم ينفذ عمر حد السرقة عام الرمادة... وفي تغيير لحكم السارق الثابت بنص القرآن بعد تغير الظروف. هذا ما يدعونه بل هو ما يتمنونه، فهم لا يقولون على تنفيذ الحدود الشرعية خوفًا من حماة الحقوق الإنسانية.