فهل عطل عمر حقًا حد السرقة عام الرمادة لتغير الظروف؟ لا، فحد السرقة لا ينفذ إلا إذا توفرت شروط تنفيذه وانتفت موانعه، ومن شروط القطع في السرقة ألا يسرق السارق ما يسد به رمقه، وقد روي أن عمر رضي الله عنه لم يقطع غلمان (حاطب بن أبي بلتعة) رضي الله عنه لأنهم كانوا في حالة خصاصة، وهذا لا يعني أنه عطل الحد ولكن لم تتوفر الشروط، ومن المعلوم أن الحدود تُدرأ بالشبهات.
وكيف يظن بعمر- ذلك العبقري الملهم المحدث- أن يفعل ذلك؟ إن هذا لا يليق إلا بمتخلف عن متابعة منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل يعقل أن يعطل عمر حدًا من حدود الله، وهو الذي أقام الحد على أخي زوجه وخال أبنائه قدامة بن مظعون رضي الله عنه وقد شرب الخمر متأولا أنها حلال عليه وهو مريض خشية أن يقبض عمر قبل تنفيذ الحد عليه؟
إن استدلالات هؤلاء مصدرها عقولهم الباطنة، فهم يستدلون بما يتمنونه ليس إلا.
تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان:
تشبثهم بما قاله العالم الرباني ابن القيم رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين (15) عن تغير الفتوى واختلافها بتغير الزمان والمكان والعادات والنيات.
وما قاله ابن القيم رحمه الله وبينه بالأمثلة، ليس فيه هو الآخر دليل على ما ذهبوا إليه في وادٍ آخر.
قال في (فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات: بناء الشريعة على مصالح العباد في المعاش والمعاد) :
(هذا فصل عظيم النفع جدًا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهو قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا، وطي العالم رفع إليه من بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم وخطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
ونحن نذكر تفصيل ما أجملناه في هذا الفصل- بحول الله وتوفيقه ومعونته بأمثلة صحيحة).
وسنأتي ببعض الأمثلة التي جاء بها ابن القيم للتدليل على ما قال ليتبين لك أيها القارئ اللبيب الفَطن أنه لا علاقة البتة بين ما رمى إليه ابن القيم رحمه الله وبين ما يهدف إليه هؤلاء من تطوير الدين وتطويعه حتى يُجاري العصر ويوافق ما توصلت إليه الحضارة الغربية... وحاشا ابن القيم أن يكون منطلقه وغرضه ومنهجه موافقًا لمنهج العصرانيين الذي رسمه لهم المستشرقون ومن لف لفهم من المشبوهين ومرضى القلوب.
المثال الأول: ترك إنكار المنكر مخافة حدوث ما هو أنكر، وقد اعتمد ابن القيم رحمه الله على قواعد فقهية وهي ارتكاب أخف الضررين، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وكل هذه أصول مستقاة من أدلة شرعية، وليس في كلام ابن القيم إذن أدنى تلميح لتعطيل النصوص وردها، وهو لم يأت بشئ مخالف لما كان عليه السلف الصالح، وإنما هو سائر على منهاجهم ملتزم بما كان عليه الصحابة والتابعون، وهذا هو الظن به وبأمثاله من العلماء الربانيين، فما للعصرانيين ولابن القيم ولمنهجه القويم؟