فهرس الكتاب

الصفحة 768 من 4557

أما المسائل التي ليس فيها نص صحيح صريح فللعلماء أن يجتهدوا فيها، وللعامة أن يقلدوا أقربهم في رأيهم إلى السنة، وهذه هي المسائل التي يمكن أن يتغير الاجتهاد فيها حسب الظروف الزمانية والمكانية.

وقد نهى الأئمة الأعلام أن يقلد المرء دينه الرجال، فقد روي عن إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمه الله قوله: «لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، ولكن خذ من حيث أخذوا» .

أما النصوص الصحيحة الصريحة فالمصلحة في الالتزام والتمسك بها كما تمسك بها أسلافنا الصالحون، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

ثم من الذي يحدد هذه المصلحة؟ فالمصلحة أمر تقديري، وما تراه أنت مصلحة قد يراه غيرك عين المفسدة، وليس هناك أضر على الإسلام من التحسين والتقبيح العقليين، ورحم الله الخليفة الراشد الملهم عمر حين قال: «لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهرة» . وما فسدت أحوال المسلمين وانحطت مكانتهم إلا عندما استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، استبدلوا الآراء والأفكار بالتمسك بالقرآن والسنة وما كان عليه سلف الأمة.

شبه القائلين بتقسيم الدين إلى ثابت ومتغير ودحضها:

يتشبث هؤلاء الأدعياء في دعواهم الكاذبة هذه بشبه باطلة، يرمون من ورائها إلى ترسم خطى أسيادهم من المستشرقين الماكرين أعداء الملة والدِّين:

يقول الأستاذ محمد محمد حسين في كتابه القيم «الإسلام والحضارة الغربية » (5) في الفصل السادس منه تحت عنوان «التغريب في دراسات المستشرقين» موضحًا لخطورة البحث الذي كتبه المستشرق ولفرد سميث بعنوان «مجلة الأزهر: عرض ونقد» ومنبهًا لأمرين مهمين: (أن الخطط التي يقترحها المؤلف على المسلمين موجهة إلى محو ما استقر في نفوسهم، من أن للإسلام طبعًا ثابتاُ صلبًا، وقيمًا محدودة مرسومة، يجتمع عليها المسلمون من ناحية، ويتميزون بها عن غيرهم من ناحية أخرى. فالخطط المقترحة في الكتاب موجهة نحو تطوير المسلمين عن طريق تطوير الإسلام نفسه، وإفقاده طابعه المحدد الثابت الذي يحول دون تحقيق التفاهم المنشود، الذي يرسي دعائم الاستعمار ويثبت أقدامه) .

وعلق الأستاذ محمد محمد حسين كذلك على البحث الذي قدمه الدكتور مصطفي الزرقا - في مؤتمر عقد بجامعة برنستون بأميركا 1953 والذي اشترك فيه عدد من القسس المبشرين الأمريكان كما قدمت الدعوة إلى شخصيات معينة في العالم الإسلامي- معلقًا على ما في بحثه من روح انهزامية أمام هؤلاء القسس المبشرين تتضح في تسويغ الأساليب العصرية السائدة التي تخالف الإسلام مخالفة صريحة وانتحال الأعذار لها مثل قوله (6) : (فالصفة الدينية في الفقه الإسلامي لا تنافي أنه مؤسس على قواعد مدنية(7) بحتة، منتجة لفقه متطور كفيل بوفاء الحاجات العصرية وحل المشكلات النابتة في الطريق ص157).

يعلق أستاذ حسين فيقول: (وما يسميه هو بالحاجات العصرية نابع في أكثر الأحيان من تقليد نظم حضارية غربية عن الإسلام ومخالفة لأصوله، وليس مطلوبًا من المسلمين أن يكونوا على صورة غيرهم، يتبعون سننهم حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلوا فيه، بل إن مخالفة المسلمين لغير المسلمين هي شئ مقصود لذاته، صونًا للشخصية الإسلامية، وتمييزًا لها عن غيرها، ومن أجل ذلك كان المسلمون منهيين عن تقليد غير المسلمين في زيهم وعاداتهم.

وهذا المنهج الفاسد الذي التزمه الزرقا بنية تزيين الشريعة الإسلامية عند أعدائها، وعند من يجهلونها قد أوقعه في أخطاء فاحشة فهو عند كلامه عن عقوبة الزنى بالجلد- وقد أهمل (8) الرجم وتجاهله- وعقوبة السارق بقطع اليد، وبقية الحدود الأربعة يقول: (فإذا لوحظ أن تطبيق بعض عقوبات الحدود الأربعة أصبح متعذرًا(9) في زمان أو مكان، فمن الممكن تطبيق عقوبة أخرى ولا يوجب هذا ترك الشريعة أجمع ص158) !!

يقول الأستاذ حسين معلقًا: (فمن الواضح أن كلامه هذا تسويغ لإسقاط الحدود الإسلامية، سعيًا لإرضاء النظم المعاصرة، غير الإسلامية، التي تعتبرها ضربًا من القسوة والوحشية، وهو يفعل مثل ذلك في كلامه عن المعاملات التجارية العصرية التي تقوم كلها على أساس الربا، فيقول:(إن هذه المشكلة يمكن حلها في مبادئ الشريعة الإسلامية بطرق عديدة ص159) ويذكر فيما يذكره من الحلول: (الرجوع إلى تحديد الحالة الربوية التي كان عليها العرب وجاءت الشريعة بمنعها، إذ كان المرابون يتحكمون(10) كما يشاؤون بالفقير المحتاج للقرض الاستهلاكي الاستثماري ص 159). ويذكر فيما يذكره كذلك من مسوغات وحلول: (تأميم المصارف لحساب الدولة، فينتفي عندئذ معنى الربا من الفائدة الجزئية التي تؤخذ عن القرض، إذ تعود عندئذ إلى خزينة الدولة لمصلحة المجموع ص159) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت