من أهم الشعارات والدعاوى التي رفعها العصرانيون- الأموات والأحياء منهم - والتي كادت تلغي الفاصل بينهم وبين إخوانهم العلمانيين شعارات (الثابت والمتغير في الإسلام) أو (المصلحة مقدمة على النص) أو (فقه المرحلة) وما إلى ذلك. فتلاعبهم بالألفاظ كتلاعبهم بالدين أو أشد، وقد استفاد العصرانيون مما واجهه العلمانيون من استنكار فراحوا يغيرون ويبدلون في المسميات، ويتلاعبون بالألفاظ، والمصطلحات ويبحثون عن الشبه والهفوات والزلات، ليلبسوا العلمانية ثوبًا إسلاميًا مزورًا، ويضفوا عليها صفة الشرعية، ويتمكنوا من التمويه على العوام والتلبيس على أهل الإسلام ولو إلى حين، وإلا فقل لي بربك- أيها القارئ الكريم، والمسلم الأمين- ما الفرق بين قول العصراني: (إن الثابت في الإسلام هو العبادات فقط، وهي التي يلتزم فيها بالنصوص القرآنية والحديثية، أما فيما سوى ذلك فالمجال مفتوح لتغيير النصوص وحسب ورد بعضها، حسب معطيات العصر، ومقتضيات المصلحة في كل زمان ومكان) . وبين ما يدعو إليه العلمانيون من فصل الدين عن الحياة وحصره في دائرة العبادات، فمال الدين والحياة، ويتعجبون من الذين يريدون أن يحشروا أنف الدين في كل شئ: في الحكم، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، وآداب الأكل والشرب واللباس، والزواج، ونحو ذلك.
لا فرق إلا المكر، والخداع، والمراوغة، التي ينتهجها العصرانيون في العرض، وما مثلهما إلا كمثل لصين أتى أحدهما أهل بيت طيبين غافلين نائمين فنقب دارهم من الخلف وأخذ ما أخذ من متاعهم ولم يشعروا به إلا ساعة الخروج والهرب، أما الثاني فجاء في صورة زائر محتال، فسرق أشياء خفيفة المحمل، غالية الثمن، ولم يشعر به أحد إلا بعد أن اختفى من الأنظار.
ومما يؤسف له أن جل رموز العصرانية (1) اليوم كانوا من أعضاء الحركات الإسلامية (الإخوان المسلمون) وغيرهم، بل إن بعضهم كان في المقدمة ولا يزال البعض منهم يتولى قيادتها (2) .
وفي اعتقادي أن السبب الرئيسي في حدوث ذلك هو التسيب الفكري، والعقدي، وعدم وضوح المنهج، وتحديد الهوية، لدى هذه الحركات. فالمنهج القويم السليم- لا نقول يعصم عن الوقوع في الانحراف والابتداع إذ لا عاصم إلا الله، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها حيث يشاء- ولكنه يقلل من حدوث ذلك.
يقول الدكتور النويهي في مقالة بعنوان: «نحو ثورة الفكر الديني» (3) : (إن كل التشريعات التي تخص أمور المعاش الدنيوي، والعلاقات الاجتماعية بين الناس، والتي يحتويها القرآن والسنة، لم يقصد بها الدوام وعدم التغير، ولم تكن إلا خطوة مؤقتة احتاج لها المسلمون الأوائل. وكانت صالحة وكافية لزمانهم، فليست بالضرورة ملزمة لنا، ومن حقنا بل من واجبنا أن ندخل عليها من الإضافة والحذف والتعديل والتغيير، ما نعتقد أن تغير الأحوال يستلزمه) .
وبقول د. معروف الدواليبي في مقال بعنوان «النصوص وتغير الأحكام بتغير الزمان» :(إذا كان النسخ لا يصح إلا من قبل الشارع نفسه، فهل يصح في الاجتهاد تغيير لما لم ينسخه الشارع من الأحكام وذلك تبعًا لتغير الأزمان؟
1-إن جميع الشرائع قديمة وحديثة قد أخذت بمبدأ النسخ لما في الشريعة من بعض الأحكام، تبعًا لتغير المصلحة في الأزمان. غير أنها لم تأخذ بمبدأ السماح للمجتهدين بتغيير حكم من الأحكام ما دام ذلك الحكم باقيًا في الشريعة ولم ينسخ من قبل من له سلطة الاشتراع.
2-ولقد تفردت الشريعة الإسلامية من بين جميع تلك الشرائع من قديمة وحديثة بالتمييز ما بين المبدأين أولًا وبالأخذ بهما ثانيًا.
فقد اعتبرت الشريعة الإسلامية النسخ لبعض الأحكام الشرعية حقًا خاصًا بمن له سلطة الاشتراع وأخذت به. أما التغيير لحكم لم ينسخ نصه من قبل الشارع فقد أجازته للمجتهدين من قضاة ومفتين تبعًا لتغير المصالح في الأزمان أيضًا، وامتازت بذلك على غيرها من الشرائع، وأعطت فيه درساّ بليغًا عن مقدار ما تعطيه من حرية للعقول في الاجتهاد، ومن تقدير لتحكيم المصالح في الأحكام وهكذا أصبح العمل بهذا المبدأ الجليل قاعدة مقررة في التشريع الإسلامي، تعلن بأنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان) (4) .
وهذه الدعوة - الثوابت والمتغيرات في الشريعة الإسلامية - تعرض تحت شعارات مختلفة، مثل شعار المصلحة، أو أن المصلحة مقدمة على النص، أو تحت شعار فقه المرحلة كما هو الحال عندنا في السودان وهكذا.
والذي ندين به ويدين به كل مسلم أن المصلحة كل المصلحة هي في الالتزام بالنصوص القرآنية والحديثية، وأنه لا اجتهاد مع نص، حتى قال الأئمة الأعلام: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» و «إذا خالف قولي الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط» و «كل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول ×» .
وكل أمر ورد فيه نص قرآني أو سنة صحيحة صريحة فهو ثابت لا يتغير ولا يتبدل سواء كان في العبادات أو المعاملات أو الأمور المعايشة فلا فرق، ومن الذي يستطيع أن يفرق بين شرع الله فيقبل بعضه ويرد البعض الآخر؟