والحقُّ أنَّ عمر بن الخطاب في الحادِثَتين لم «يُعَطل» نَصًَّا، ولم يُحِلّ حرامًا، ولم يُحَرِّم حلالًا، ولم يَعْتبر أنَّ النصوص الواردة في شأْنِ الحادِثَتَين أصبحت لاغِيةً. فلَم يَقُل عمر: إنَّ إِقامة الحَدِّ على السارِق أصبح وَحْشِيةً واسْتِهانةً بِكرامة الإنسان، وحِرْمانًا للمجتمع من بعض قُوَى إنتاجه... كما لم يَقُل بأن قطْعَ يَدَ السارق كان مُلائمًا للإنسان وقت نزول الوَحْيِ، وإِنَّه فَقَد صَلاحِيتَّه الآن. إن ما فعله عمر هو دراسته لِواقِعِهِ، أيْ للمَيْدان الذي يَتَنَزَّل فيه حُكْم الله، فَرَأى أنَّ الشروط لم تَتحقق كلها لإقامة الحد، فقد يَلْتَجِئُ الإنسان إلى «السَّرِقة» حِفْظًا لنفسه من الهلاك لا اختيارًا للسرقة، أو اغْتِصابًا لأموال الآخرين دُون جُهْد أو عمل، فَتَقَع الْتِباساتٌ عديدةٌ، وتختَلِط البَيِّناتُ بالشُّبُهات، وكما هو معلومٌ في قواعد الفقه: «ادْرَؤوا الحدود بالشُّبُهات،، و «الضرورات تُبِيحُ المَحْظورات» ... فإنَّ عمر كان حكِيمًا في عدم تَطْبيقه الآلِيِّ لِحُكمٍ لم تَتَوفر شروط تحقيقِه، لأنه فَهِم بِوَعْيٍ وعُمْق مُلابَسات تطْبيق الحُكم الشرعي. لم يكن عمر مُجَرَّد «آلَةِ تَسْجيْلٍ وتَرْديْد» لنصوص وأحكامٍ لم يَفْهَمْها، وإنما كان يَتَفَهَّم الحُكم والحِكْمة منه، ويبحث عن شروط تَنْفيذه... لقد كان عمر يَتَدبَّر القرآن ويقرأ نصوص الْوَحْيِ بِبَصيرةٍ وتفْكيرٍ.
نفس الأمر يُمْكن أنْ يقال في شأن «إسقاط» نصيب المُؤَلَّفة قلوبهم من الزكاة. فقد رَأَى عمر أنَّ الإسلام قد أصْبح عزيزًا بين الناس, فلا يمُكن أنْ يَبْقَى دائمًا مُعْتمِدًا على المُؤَلَّفة قلوبهم، فقد رُوِيَ أنَّه قال لبعضهم: إنَّ الله قد أعَزَّ الإسلامَ وأغْنَى عنْكُم. لهذا ولأسبابٍ أُخْرَى تَصَرَّف عمر بِهذه الطريقة. فكلُّ ما فعَله أنَّه لم يَجِد في عصْرِه مَنْ يَسْتحِق التَّأَلُّف في نَظَرِه، وليس من الضروري أنْ يَظَلَّ الذين أُلِّفُوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مُؤَلَّفَةً إلى الأبَد. فالمسألة مسألة تَفَهُّمٍ للشريعة، ودِرايةٍ بالواقِع، وحِكْمةٌ في تطْبيق الأحكام الشرعية، وليست مسألةَ «اختياراتٍ عقليةٍ» تسْتَوْجِب تعطيل النصوص. إنَّ عمر لم «يَنْسَخ» الآيتين الوارِدتَين في شأْن الحادِثتين: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ؛ { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، ولم يُبْطِل أحكامَها، ولم يُحِلّ السرقة، ولم يُحَرِّم إِعْطاء سَهْم المُؤَلَّفة قلوبهم من الزكاة.
لم يَقُل عمر بأنَّ القرآن كان يُراعِي عصْر نُزولِه ومُستوَى وَعْيِ الناس، وأنَّ علينا نَسْخ هذه الأحكام بأُخْرَى أكثرَ «تَقَدُّمًا» منها، وأكثر مُلاءمةً لِعَصْرنا وأكثر «إنسانيةً» كما يقولُ البعض... فَلَيس مِن حقِّ عمرَ أو غيره أنْ يُعَطل هذه الأحكام، لأنَّ تعطيل النصوص هو تعبيرٌ عن هَوَىً لا عن فَهْمٍ لمَقاصِد الشريعة، إِذْ ليس مِن مَقاصِد الشريعة أن تُعَطَّل أحكامُها ).
( المرجع"ظاهرة اليسار الإسلامي ، عبدالسلام بسيوني ، ص 124-126) ."
الشبهة (3) : تقديمهم المصلحة على النص وشبهات أخرى
الفاصل بين العلمانيين والعصرانيين إن وجد رقيق جدًا فهو فاصل درجي، وكأنهما وجهان لعملةُ واحدة، واسمان لمسمى واحد، ومصطلحان لمعنى واحد.